رجل جسور لايملك من متاع الدنيا سوى راتبه
رجل جسور لايملك من متاع الدنيا سوى راتبه
هشام البسطويسى.. قاض من مصر
عندما تدخل بيت المستشار هشام البسطويسى تشعر منذ اللحظة الاولى انك فى منزل قاض من الشعب، بيت بسيط مثل بيوت كل المصريين وجماله الأساسى فى روح قاطنيه. يستقبلك المستشار البسطويسى وزوجته الرقيقة الفت السهلى وسط ابنائهما الثلاثة بترحاب وود صادقين لا تكلف ولا ادعاء فيهما فيتسرب الى نفسك احساس بانك بين اهلك، بين ناس ينتمون اليك وتنتمى اليهم، يعيشون نفس مشاكلك وتعيش نفس مشاكلهم، يفرحون لما يفرحك ويحزنون لما يحزنك.
وقبل ان تخرج من هذا البيت تكون قد ادركت لماذا باتت هذة الكوكبة من قضاة الشعب العظماء، الذين لم يطيقوا على ضمائرهم كتمان شهادة الحق فجهروا بها, تجسد ضمير هذه الامة ولماذا تعلقت بهم اشواق شعبهم فى العدل والحرية وكأنهم طوق النجاة الذى لاح فجأة بعد عتمة كادت تبدد كل امل.
لا يقيم هشام البسطويسي، مثله مثل كل شيوخ وشباب القضاة الشرفاء الذين وقفوا بصلابة وعناد يكشفون عوار الانتخابات البرلمانية الاخيرة ويحتجون بجسارة وقوة على تزوير إرادة شعبهم، لا يقيمون أى وزن لحسابات شخصية أو مصالح خاصة وهل يجوز لاى قاض ان يقيم وزنا الا لضميره وما استقر فى وجدانه. ولو أنك مررت ذات يوم امام دار القضاء العالى قد تصادف هشام البسطويسى وهو يستوقف تاكسى يعود به الى بيته وساعتها ستتأكد ان هذا القاضى الكبير الجسور الذى يدافع بعناد عن حق شعبه فى امتلاك ارادته بيده لا يمتلك سيارة ولا يملك من متاع الدنيا سوى راتبه. ولذلك لم يكن مستغربا ان يضيق اهل السلطة بهشام البسطويسى ولم يكن مفاجئا ان يتعجلوا إصدار الحكم بتوجيه اللوم إليه وهو على فراش المرض دون ان يمهلوه حتى الفرصة ليتعافى ويتمكن من المثول امام المحكمة التى يعرف الجميع ان الخصم والحكم فيها واحد. ولكن اللوم الذى وجه له كما قال شيوخ القضاة بحق هو وسام على صدره. وان كان هذا اللوم يحرم المستشار هشام البسطويسى من حق اصيل له فى الترقى او الندب او الاعارة، الا ان هذه العقوبة لا تعنى له فى واقع الامر الشئ الكثير، وهو كان يعرف ويتوقع منذ شهور اجراءات تأديبية تصل الى العزل ولكنه ظل واقفا على ارض صلبة لا يتزحزح فالقناعة بالمبدأ والموقف عندما تستقر فى وجدان القاضى تكون هى الفيصل والدليل.
وقبل شهور رفض هشام البسطويسى بملء ارادته ندبه الى محكمة القيم ايمانا منه بانه لا يستقيم ان يكون فى مصر محاكم استثنائية على هذه الشاكلة وان من حق كل مصرى ان يحاكم امام قاضيه الطبيعي. اما الاعارة فقد كاد ان يتنازل عنها طوعا دفاعا عن حصانة زميل له عندما كان يعمل فى دولة الامارات مع صديق عمره وزميله الحالى فى دائرة محكمة النقض المستشار محمود مكي. والقصة التى يرويها شهود كثر تتلخص فى ان قاضيا مصريا اصدر حكما مخالفا لرغبة السلطات الاماراتية فاصدرت قرارا بانهاء خدمته قبل انتهاء مدة تعاقده، ولكن البسطويسى ومكى تصديا للقرار واعلنا مع عدد من زملائهما الامتناع عن العمل الى حين الغاء القرار.
وقد كان لهم ما ارادوا وتراجعت السلطات الاماراتية. وربما شاءت الاقدار والظروف ان يكون هشام البسطويسى فى بؤرة الضوء خلال الشهور الاخيرة وربما بل من المؤكد انه صار لهذا السبب المستهدف رقم واحد من قبل نظام تأذى كثيرا من صراحته الموجعة. ذلك ان البسطويسى لم يكن يمضغ كلماته ولم يتحصن خلف عبارات منمقة وملتبسة فلم يكن يحسب حسابات ولم يكن يعبأ بالتبعات ولم يمر شيء من هذا بباله بل كانت نبرات صوته تفضح على الدوام انفعاله الصادق بما يراه أمام عينيه من اهانة لكرامة ابناء وطنه حتى وان حاول اخفاء مشاعره خلف هدوئه ووقار القاضى المتمرس.
لم يخسر هشام البسطويسى شيئا بل كسب ومعه كل قضاة مصر كل شيء، كسبوا حب شعبهم ودعمه ولكن الاهم ان الشعب ربح قضاته وربح رهانه عليهم ومازال ينتظر وقفتهم الخميس المقبل فى ذكرى يوم أسود حزين انتهكت فيه كرامة المصريين فى الشوارع وهتكت أعراض نسائهن وبناتهن لمجرد انهم أرادو التعبير سلميا عن رأيهم وهى جرائم رأت النيابة العامة ان مرتكبيها لا يستحقون المحاكمة وقررت حفظها وهذا قرار كفيل وحده بأن يدفع قضاة مصر إلى الاستمرار فى تضآلهم من أجل كف يد السلطة عن التدخل فى شئون العدالة.
منى سالم

0 Comments:
إرسال تعليق
<< Home