Egyptian News - أخبار مصرية

هذه المدونة تعني بأخبار الوطن

السبت، نوفمبر ١١، ٢٠٠٦

نظام الحكم يتخبط والبلد ضاع




الاندفاع إلى حريق قاهرة جديد!
بقلم: عبد الله السناوي

بريماكوف يستغرب نصيحة مبارك لبوتين بتعديل الدستور وتمديد حكمه وصحف غربية وعربية تتساءل: لماذا لم ينصح الرئيس المصرى نظيره الروسى بتوريث الحكم؟!
مراسل أوروبى مقرب من رئيس الوزراء الإيطالى رومانو برودى يتوقع - وفق شهادات أصدقاء مصريين - فوضى على النيل يعقبها تدخل لمؤسسات القوة
لا أحد بوسعه أن يتوقع، وهو واثق من صلابة التوقعات التى يراهن عليها، ما قد يحدث فى مصر غداً، غير أن الأجواء السياسية تنذر بانفلات واسع وفوضى ضاربة واندفاع إلى حريق قاهرة جديد. فالكلمة -الآن- لليأس وجنرالاته فى الشوارع المحرومة. والسياسة تخلى مواقعها للعنف وسيناريوهاته المرعبة، وبوادرها تقتحم المسرح السياسى من مقدمته وفى كواليسه، فالدولة المصرية، وهى من أعرق وأقدم الدول واكثرها مركزية، آخذة فى التفكك والتحلل، ونظام الحكم فيها يتخبط فى نهاياته الطويلة، والفساد نهش مقدراتها كما لم يحدث فى تاريخها الحديث كله، والأحوال المعيشية ماضية فى التراجع ساحبة إلى خطوط ما تحت الفقر قطاعات جديدة من المجتمع، الذى يبدو يائسا ومحروما بصورة تدفع إلى الاعتقاد بأننا بصدد انفجارات عنف اجتماعى غير مسبوقة. قد يقال إن الحياة السياسية المصرية، التى شهدت بعض الحراك السياسى فى السنوات الأخيرة، باتت متوقفة، وغير قادرة على اطلاق مبادرات كبرى لتغيير خرائطها وموازين القوى المتحكمة فيها، وأن الأحزاب ضعيفة، والحركات الاحتجاجية الجديدة ينحسر زخمها، وأن الصحف الحزبية والمستقلة تكرر كلامها وانتقاداتها، والنظام لا يعبأ بهذه الانتقادات ويمضى فى سيناريو التوريث الى نهاياته خطوة بعد أخرى، وأن اليأس قد أخذ طريقه الى النخب السياسية والثقافية، وقد تبدو آثار ذلك كله على رمال السياسة، ولكن يجب أن يقال انها متحركة، وأن التغيير المحتم قد يأتى من خارج كل هذه الدوائر المغلقة، ومن خارج المسرح السياسى كله. وعندما بدا لمراسل أوروبى مقرب من دائرة رئيس الوزراء الإيطالى رومانو برودى، عمل فى القاهرة وبيروت لسنوات طويلة، أن يسأل بعض أصدقائه القدامى من المصريين عن تصوراتهم للمستقبل السياسى فى مصر جاءته الإجابات مقتضبة وصريحة: فوضى يعقبها تدخل لمؤسسات القوة، وتذهب السلطة إلى أصحابها الجدد. سأل مندهشا: هل يمكن أن يحدث ذلك فعلاً؟. وبدت مصر أمامه، وهو يطل على نيلها مغلقة على اسرارها، ومصائرها معلقة على مجهول. وفيما يبدو أن هذا السيناريو الخطر هو الأقرب إلى تداعيات تآكل الدولة المصرية، والظواهر ماثلة لمن يريد أن يقرأ، فلا شيء يدعو إلى الاعتقاد بأننا بصدد إصلاح سياسى ودستورى واسع وجدى يستجيب لمتطلبات نقل السلطة بصورة آمنة وسلمية، أو أن بوسع نظام الحكم الحالى التغلب على المشاكل الاقتصادية المتفاقمة، والتى تسبب فيها بسياسات انتهجها على مدى ربع قرن، أو تلبية الحد الأدنى من مقتضيات الأمن القومى فى حرائق المنطقة المشتعلة من حولنا، والتى تكاد شرارتها تصل إلى داخل حدودنا. وهذه كلها دواعى يأس ينذر بمخاطر مرعبة لا يبدو أن نظام الحكم يدركها او يكترث بها، أو يعمل على تلافى أسبابها، أو يحاول أن يطوق تداعياتها المحتملة، كأنه يدفع بالأحداث إلى حرائقها، وكأن مصر لا تستحق نظاماً أفضل وسياسات أخرى غير تلك التى تدفع بنا الى المجهول المرعب. وفى إحدى زياراته للولايات المتحدة كان من ضمن الذين استقبلوا الرئيس شاب مصرى من أسرة تربطها بالرئيس مبارك علاقات شخصية قديمة. سأله الرئيس: - ماذا تفعل هنا-؟. وكانت إجابته: أعمل فى الأمم المتحدة، ولكنى أتمنى العودة الى مصر. وكان تعليق الرئيس صادماً: هى دى بلد حد يعيش فيها!. ويدرك الذين سمحت لهم الظروف بالاقتراب من الرئيس مبارك أن بعض تعليقاته عفوية، ولكن هذه الواقعة تنطوى على رؤية سلبية لمصر والذين يعيشون فيها! وفيما يبدو أن الرئيس لا يقدر قيمة البلد الذى يحكمه، وهذه مأساة محزنة ربما تفسر بعض ما يجرى الآن، والأخطر أن البلد يزحف فوق حقل من الألغام السياسية والاجتماعية، والرئاسة تغض الطرف عن أخطارها، والأمن يتجاهلها بظن أن الملف السياسى هو المصدرالوحيد لتهديد أمن النظام وأن الأمور سوف تمضى آمنة بارهاب المعارضة وجماعاتها الغاضبة، غير أن التهديد الحقيقى قد يضرب ضربته من خارج المعادلات السياسية كلها. ووقائع فضيحة وسط البلد فى أيام العيد ماثلة بتفاصيلها المفزعة لمن يريد أن يقرأ مستقبل النظام السياسى. والمثير أن تنفى وزارة الداخلية فى تصريح تلو الآخر أن تكون جماعات من الشباب صغير السن قد اعتدت فى أيام العيد بوسط القاهرة على فتيات وسيدات، أخذن يهربن من تجمعات التحرش الجنسى الجماعى، محاولاتٍ الاختباء فى بعض المحلات العامة. ربما تصورت وزارة الداخلية أن الإنكار ينفى الجريمة، أو أن غض الطرف قد يمنع تكرارها مستقبلا، بمنطق: حادثة.. وعدت!. وربما تصورت الداخلية أن الإنكار يمنع المساءلة عن التقصير الأمنى الفادح فى قلب العاصمة، أو التساؤل عن جحافل الأمن المركزى المتمركزة بالآلاف بسياراتها ومعداتها فى شوارع وسط البلد: أين كانت..؟، أو ما إذا كانت أدوارها مقصورة على قمع المظاهرات السلمية المطالبة بالديمقراطية والحريات العامة؟! وهذه تصورات مغرقة فى أوهامها، فالظواهر الاجتماعية المستجدة لا تواجه بالإنكار، والقضية أوسع مدى وأخطر من أن تحصر فى تقصير أمنى، فهى اجتماعية قبل أن تكون أمنية، وهى تكشف أزمة قيم فى مجتمع يعانى من حرمان سياسى واقتصادى واجتماعى، وهى مؤشر على انفجارات اجتماعية أوسع وأخطر قد تحدث مستقبلا وتحرق القاهرة. هناك مجتمعان فى مصر الآن، كل منهما فى عزلة تامة عن الآخر، مجتمع ثراء فاحش، مصدره غير مشروع فى الأغلب، له مدارسه وجامعاته ومنتجعاته وثقافته الخاصة وارتباطاته بالمصالح الأمريكية والغربية فى المنطقة، ومجتمع فقر مدقع أخذ يضربه اليأس من أية احتمالات للترقى الاجتماعى، ولو بالتعليم والتفوق فيه، وبدأت تجرفه انهيارات مستويات المعيشة إلى قاع بلا نهاية. ولا يمكن لنظام رشيد أن يتوقع تعايش المجتمعين، كل فى عوالمه، إلى الأبد، فى لحظة لابد أن يحدث انفجار، وأن تجرف حممه من تصوروا أن بوسعهم أن ينهبوا البلد ويبيعوا ويشتروا فيه دون عقاب أو حساب. عوالم متناقضة مصيرها الى صدام مروع من حيث لا تحتسب أو تتوقع. خذ عندك مشروع منتجع مراسى على شواطئ الساحل الشمالى عند مرسى مطروح، جرى بيع وحداته من القصور والفيلات بأسعار وصلت الى 2 مليون دولار للفيلا الواحدة، بتخفيض ما قيمته مليون جنيه مصرى عند شراء وحدتين!. وفى حفل استقبال جرت وقائعه فى القطامية هايتس، حضرته شخصية نافذة فى نظام الحكم الحالى لا ترد كلمتها، بيعت كل القصور والفيلات فى طابور حجز. والسؤال: ما الذى يدفع وجهاء الطبقة الجديدة الى سباق الحجز لقصور وفيلات قبل توقيع العقد مع الشركة المالكة؟. الإجابة ليست فى تلك الفيللات، وإنما سعيا إلى مجاورة أصحاب المليارات ومئات الملايين وكبار المسئولين المتنفذين فى الدولة، زواج تقليدى للثروة والسلطة، ولكنه فى حالة مراسى تعبير عن رغبة فى الانعزال عن المجتمع الطبيعى، وهو سلوك بالجموح الذى ينطوى عليه يعبر عن عدم شرعية الثروة وعن التوحش فى الاستيلاء عليها، بطرق غير مشروعة تستبيح فى طريقها كل شيء. ولا يصح بأية حال أن نلوم الضحية ونجلدها بسوط الأخلاق التى تنكرت لها، فالسقوط الأخلاقى، وهو مؤكد، دعت ومهدت إليه أخلاق فاجرة لطبقة جديدة نهبت البلد وسيدت الحرمان الاقتصادى والاجتماعى فيه. ثم مضى الحرمان إلى حدود أبعد بتخلى الدولة عن مسئوليتها الاجتماعية، وبيع المقدرات العامة ب تراب الفلوس، كما حدث فى بنك الإسكندرية، أو بطريقة تثير الريب كما حدث فى بيع عمر أفندى، مصحوبا بموجات عالية ومتعاقبة من الفساد المنهجى والمنظم أخذت تنال من سمعة الرؤوس الكبيرة فى النظام الحاكم مع تراجع مستويات الكفاءة وإدراك الحد الأدنى من المسئولية العامة إلى حد تفشى الأوبئة والأمراض القاتلة وانهيار الخدمة الصحية. القضية من هذه الزاوية تتجاوز الأمن وما ينسب إليه من تقصير، وتتعدى الاعتبارات الأخلاقية الاعتيادية، التى دأبت على اعتبار الزى الاسلامى طريقا لتجنب المضايقات الجنسية، فقد جرى اعتداء فى هذه المظاهرات على فتيات وسيدات محجبات ومنقبات. والأصح أن يقال ان الانفلات الاخلاقى تعبير فاجع عن أزمة قيم لمجتمع يعانى من الحرمان الاقتصادى والاجتماعى. والأصح ايضا أن يقال ان اليأس من الاصلاح تداعياته تهدد المجتمع كله بالانجراف الى العنف والفوضى. هناك باليقين انسداد سياسى واجتماعى، وهناك أمل أخذ يتبدد فى أن يؤدى الحراك السياسى الى اصلاح سياسى ودستورى وانتقال آمن وسلمى للسلطة، لا أحد يصدق ذلك الآن. وقد بدت نصيحة الرئيس مبارك للرئيس الروسى فلاديمير بوتين بأن يعدل الدستور الروسى ليجدد لنفسه بغير نهاية أو سقف زمنى لتولى السلطة؛ مثيرة بدلالاتها، فالمعنى ان الرئيس مبارك لن يعدل هو عملا بذات النصيحة المادة 77 من الدستور الحالى التى لا تشترط سقفاً زمنيا لتولى السلطة، رئاسة الجمهورية نفت فى تصريح رسمى أن يكون الرئيس مبارك قد ادلى بمثل هذه النصيحة لصحيفة روسية، وعندما سئل يفجينى بريماكوف رئيس الوزراء الروسى الأسبق أثناء زيارته للقاهرة ليلة سفر مبارك الى العاصمة الروسية عن تعليقه على تصريحات الرئيس المصرى ابتسم بدبلوماسية انطوت على قدر من الاستغراب وقال: لن يحدث هذا فى روسيا، والرئيس بوتين يحترم الدستور، ولا أظن أن مصر تريد التدخل فى الشئون الداخلية فى روسيا. وإذا كان الرئيس مصرا على النفى، فهناك اختبار جدى حتى نصدق فعلا ان الرئيس لم يدل بمثل هذه النصيحة الغريبة، التى أثارت موجات من التعجب والاستنكار فى الصحافة الغربية والعربية تساءلت: لماذا لم ينصح مبارك بوتين بتوريث الحكم فى روسيا، وهو ان يطلب مبارك تعديل المادة 77 من الدستور، فهو من الناحية العملية ليست له مصلحة مباشرة فى الابقاء عليها، فالرئيس أطال الله فى عمره لا يتصور ان يحكم مصر حتى سن الخامسة والتسعين وما بعدها، إذ يمكنه مع التعديل ووضع سقف زمنى لدورتين فقط ان يحكم لنهاية الدورة الحالية ولدورتين أخريين، بما مجموعه 16 عاماً اضافياً، وهو ما يتجاوز الطاقة البشرية والقدرة على الوفاء بمتطلبات الحكم. واذا كان هناك من يحرض على عدم التعديل حتى لا ينتقص ذلك من فرص الوريث المنتظر فى البقاء على سدة الحكم 25 سنة أخرى كوالده، فإن القضية هنا تختلف، فالنجل لاينتسب كأبيه الى القوات المسلحة، صاحبة الدور الوافر فى التاريخ المصرى الحديث، وهى سند الشرعية فى حكم مصر على مدى تاريخها الحديث، وبخاصة بعد ثورة 23 يوليو 1952، وهو يناهض عمليا أن يكون رئيسا منتخباً بآليات ديمقراطية حقيقية تكفل له شرعية أو تضمن له قبولا عاماً، وبالتالى فإن صعود النجل للسلطة فى وجود والده أو بعده سوف يجعل منه رئيسا ضعيفاً، ليس بوسعه أن يعطى تعليمات لمؤسسات القوة، وليس بمقدوره أن يتعاطى مع حقائق السياسة الداخلية، فمصر لا تتلخص فى القطامية هايتس أو منتجع مراسى، أو فى لجنة سياساته ورجال الأعمال المحيطين به، والتعقيدات المصرية سوف تدفع به سريعا خارج الحلبة أو داخلها محاطاً بمخاوف وسيناريوهات الانفجارات الاجتماعية والسياسية، وهو مصير قاس لشاب استبدت به طموحاته السياسية ويدفع به أصحاب المصالح الى الجحيم، والتعبير للرئيس مبارك نفسه الذى يدرك بخلفيته العسكرية والأمنية وخبرته الطويلة فى الحكم، ان التوريث لن يكون رحلة خلوية مضمونة العواقب، غير أن الرئيس مبارك يدفع رغم ادراكه للمخاطر بقطار التوريث لمحطة جديدة بطلبه تعديل المادة 76 من الدستور مرة أخرى. يمكن أن نقول ان طلب مبارك اعتراف صريح ومباشر من رئاسة الدولة بصحة الانتقادات التى وجهتها جماعات المعارضة ووجهها فقهاء قانونيون، فالمادة المعدلة أقرب الى لائحة ركيكة لإحدى الشركات، وتفتقر الى قواعد الصياغات الدستورية المحكمة، وتنزع صياغاتها عن الدستور الحالى بعضاً من انجازاته فى الحريات العامة وضماناتها مثل تحصين قرارات اللجنة المشرفة على الانتخابات الرئاسية، وهى لجنة إدارية بحكم تكوينها، من الطعن عليها أمام القضاء، وتفرض شروطاً تعجيزية فى الترشح أمام المستقلين، غير أن ما هو معلن يدعو للاعتقاد بأن الرئيس لم يتراجع، وليست فى نيته اعادة صياغة هذه المادة بصورة توفر اجماعاً وطنيا حولها، وما هو مطلوب بالضبط ادخال بعض التعديلات عليها بما يسمح بتوفير مرشحين يلعبون دور الكومبارس فى الانتخابات الرئاسية المقبلة، أو جعل حق الترشح عملياً مقصوراً على الأحزاب الرسمية وحدها، على النحو الذى جرت به وقائع الانتخابات الرئاسية الأولى. وهكذا ننتقل من انتخابات استعراض الرجل الواحد الى انتخابات مسرحية الممثل الواحد وهذا مما يصعب تمريره، ولا يضفى أية شرعية على الوريث المنتظر، نعم: قطار التوريث يمضى من محطة الى أخرى، ولكن.. على قضبان متآكلة يصعب تصور أن تحمله الى محطته الأخيرة. والمشكلة الكبرى فى كل ما يصدر عن الرئيس فى التعديلات الدستورية ان الرأى العام ينظر إليها بسلبية باعتبارها خطوات جديدة فى سيناريو توريث يفتقر الى قبول الرأى العام وتياراته الرئيسية، مما يدفعنا للتساؤل: كيف يمكن لنجل الرئيس ان يحكم مصر مستقبلا؟. ومع مخاوف واسعة من أن تشمل التعديلات الدستورية المنتظرة الغاء الاشراف القضائى على الانتخابات العامة المنصوص عليها فى المادة 88 من الدستور الحالى، والإبقاء على جوهر المادة 74 التى تضفى على صلاحيات رئيس الجمهورية ما يقارب ما للآلهة من سلطات!، والاتجاه لتقليص أو نسف الحقوق الاجتماعية المنصوص عليها فى الدستور، يبدو اليأس مستحكماً، والانسداد فى القنوات السياسية والاجتماعية محكماً، وهذا مؤشر خطر فى سيناريو الانفلات والفوضى والاندفاع الى حريق قاهرة جديد. حفظ الله مصر من كل سوء، غير أن الأمنيات وحدها لا تحمى أوطاناً، فشرر النار يتطاير من حولنا.
 
free web counter