فضيحة وسط البلد
فضيحة وسط البلد
د. جلال أمين
الذى حدث فى وسط البلد فى القاهرة، فى أول أيام العيد، من مهاجمة عشرات والبعض يقول مئات من الشباب للنساء، فى الطريق العام، بمرأى من الناس، بمن فيهم بعض رجال الشرطة، جعل الجميع يشعرون بأن شيئا جديدا وخطيرا يحدث، أو أن شيئا خطيرا بدأ يظهر للعيان، ولم نكن نظن أنه وصل إلى هذا الحد. والمغزى الأساسى الذى خرجت به من هذا الحادث، خاصة وقد حدث بعد أيام قليلة من اكتشافنا أن مياه الشرب فى عدة مدن وقرى مصرية اختلطت بمياه المجارى، مما أدى إلى دخول عشرات إلى المستشفيات ووفاة بعضهم، هو أن النظام المصرى، بعد ثلاثين عاما من السياسات البالغة الاستهتار والأنانية، قد أدى إلى هبوط نسبة لا يستهان بها من المصريين إلى ما يكاد يشبه منزلة الحيوانات. حدث هذا عن طريق تجويع نسبة كبيرة من المصريين، وإهمال تعليمهم، والتراجع عن توفير فرص عمل مجزية لهم، وعن إقامة مساكن تصلح لسكنى الآدميين، وتسمح لهم بالزواج والاستقرار، وعن إتاحة وسائل للمواصلات تحافظ على كرامتهم.. إلخ. تحولت هذه النسبة من المصريين التى قد تصل إلى 40% من السكان معظمهم من الشباب، إلى كائنات تهيم على وجوهها فى الشوارع، فاقدة للأمل، وتكلم نفسها أحيانا، لا تفكر إلا فى أساسيات الحياة، كتوفير الطعام لنفسها وأولادها، أو تبحث عن الإشباع الجنسى بالالتصاق بالنساء فى وسائل النقل العام والآن فى الشوارع، أو بورقة عرفية يعرف أصحابها أنها لا قيمة قانونية لها، أو ترتكب جرائم قتل للحصول على مبلغ تافه من المال، أو تدمن مخدرات رخيصة تريح المرء من التفكير فى الواقع القاسى المحيط به، وتخفف فى نفس الوقت من وطأة الشعور بالجوع، أو تبحث عن أية وسيلة للهروب من البلد أملا فى الحصول على مصدر للرزق، كالذهاب إلى السعودية بزعم أداء العمرة، ثم الاختفاء هناك فى الصحراء عندما يجيء وقت العودة إلى مصر كما فعلت نسبة كبيرة من عشرين ألفا من المعتمرين فى الشهر الماضى نشرت الجرائد أن معظمهم من المصريين، أو قبول أى عرض من مقاولى الأنفار لترحيلهم عبر البحر المتوسط إلى إيطاليا، ثم السباحة والتسلل إلى داخل إيطاليا أملا فى ألا يراهم رجال الشرطة الإيطالية، ثم يبحثون لأنفسهم عن عمل هناك، ولو اشتغل المهندس شيالا، والمحاسب خادما فى فندق، والمحامى بائع جرائد، هذا إذا نجوا من الموت غرقا فى الطريق. هؤلاء شباب ليس لديهم ما يفقدونه. لا زوج ولا أبناء ولا وظيفة كريمة ولا مال. والأب والأم مشغولان عنهم بالبحث عن لقمة العيش. ولا أمل فى المستقبل المنظور فى الحصول على أى شيء من هذا: الأسرة أو الوظيفة أو المال. كما أنهم لا يخشون نظرة الناس المحيطين بهم، وما قد تولده أفعالهم من كراهية أو احتقار، فهم مكروهون محتقرون على أى حال، لأنهم ليس لديهم ما يميزهم عن الآلاف المؤلفة من قطعان الشباب الضالة فى الطرقات، بل ليس لديهم ما يخافونه من رجال الأمن، إذ أن نسبة كبيرة من رجال الأمن لا يختلفون كثيرا هم أنفسهم عن هذا الشباب الضائع، إذ فلتلاحظ النظرة البائسة على وجوه رجال الشرطة، من فرط ضياع الأمل، وأجسامهم الهزيلة من فرط الجوع، وذلهم وعجزهم عن طرد ذبابة، ناهيك عن ملاحقة شباب يحاولون الاعتداء على امرأة فى الطريق، فمعظم رجال الشرطة لديهم نفس مشاكل الفقر والجوع وسوء حال السكن وضعف الأمل فى الزواج، فضلا عما يتعرضون له يوميا من إذلال من الضباط الذين لديهم مشاكل قد تكون مختلفة بعض الشيء فى النوع، ولكن مصدرها الأصلى هو نفس مصدر مشاكل رجال الشرطة البائسين والشباب المتبطل: الفساد والدولة الرخوة والمستهترة. فما الذى يمكن أن يحرك همة رجل البوليس المسكين، أو حتى الضابط الهمام لحماية فتاة أو امرأة يعتدى عليها فى الطريق، فى ظل هذا المناخ العام من الإحباط؟ فئة صغيرة جدا من المصريين لا تشعر بهذا الإحباط: هم الذين تكنس لهم الشوارع كل صباح، وتغلق لهم الطرقات بالساعات إذا سُمع برغبتهم فى المرور منها، وتبنى لهم المساكن وتستورد لهم الأطعمة، ويخطبون ويتزوجون من بنات أو أولاد من نفس هذه الطائفة التى تحتكر الأكل والشرب والشواطئ، تحتكر لأولادها الوظائف والمساكن والأفراح. بل وأصبحت هذه الفئة تحتكر الصحف أيضا، منذ جرت التغييرات الأخيرة فى المناصب الصحفية، إذ لوحظ أن الصحف التى تمتكلها الحكومة لم تنشر شيئا عما حدث فى وسط البلد فى أول أيام العيد إلا بعد أن تناقلت الدنيا كلها الخبر، وأصبح حديث الرائح والغادى، وأذيع فى الإذاعات الأجنبية، فأصبح منظر الصحف الحكومية المصرية بعد أسبوع من الحادث دون أن تنشر عنه شيئا، مثيرا لمختلف الظنون، وأصبح من المحتم على هذه الصحف أن تنشر شيئا عنه. فإذا بنا نقرأ تغطية للموضوع فى الجريدة اليومية الحكومية الأولى كان السكوت أفضل منها، إذ تراوح ما كتب فيها بين الدفاع المستتر عن هذا الشباب الذى خرج لتمضية وقت مرح بمناسبة العيد وبين انتقاد الفتيات لخروجهن من بيوتهن فى هذا الزحام، أو إنكار أن يكون قد حدث أى شيء خطير على الإطلاق، يحدث مثله فى كل عام، وإظهار رجال الأمن بمظهر من أدوا واجبهم بالكامل. قيل لنا مرة، منذ بضعة أسابيع، إن أعضاء هذه الفئة المحظوظة من الشعب المصرى، والتى تقوم منذ زمن طويل بحكمه، وأولادهم الذين يزمعون الحلول محلهم فى الحكم، لا يقرأون على أى حال ما تنشره الصحف المستقلة أو المعارضة، إذ ليس لديهم الوقت الكافى لسماع الشكاوى، حيث إن لديهم مشاغل أهم، تتعلق فى الأساس، بتحضير المصريين لقبول خبر حلول الابن محل الأب فى الحكم، وهم فى رأيى يضيعون وقتهم الثمين فيما لا يجدى كثيرا. فتعديل المادة 76 أو 77 أو إعادة تعديلهما، لم يعد يهم هذا القطاع الواسع من المصريين الذين وصفت حالهم منذ قليل. لعل الفرق إذن، من تعديل هذه المادة أو تلك هو إقناع بعض الدول أو الهيئات الأجنبية بأن حلول الابن محل الأب، تم بطريقة ديمقراطية؟ ربما كان الأمر كذلك، ولكن لعل هذه الدول والهيئات لا يهمها أيضا تعديل هذه المادة أو تلك أو بقاؤهما على ما هما عليه. فهذه الدول والهيئات الدولية لا يهمها فى الواقع إلا قيام هذه الفئة المصرية المحظوظة بالإسراع ببيع هذا البنك أو تلك الشركة للأجانب، وعدم النطق بكلمة واحدة تتعارض مع ما تفعله هذه الدولة أو تلك الهيئة فى العراق أو لبنان أو غيرهما من الدول. فى سبيل شراء هذا البنك أو تلك الشركة إذن، وفى سبيل استمرار هذه الفئة الصغيرة المحظوظة فى احتكار الأكل والشرب والمساكن والشواطئ والأفراح، يجوز تجويع نسبة كبيرة من الشعب المصرى وتشريده على هذا النحو، حتى أصبح من الممكن أن ترى أحيانا رجلا من رجال البوليس يبحث عن بعض بقايا الطعام فى صندوق من صناديق القمامة، وحتى لجأ مئات من الشباب المصرى لحل مشاكلهم النفسية والجنسية إلى الاعتداء بلا هوادة على أى امرأة يجدونها فى الطريق.

0 Comments:
إرسال تعليق
<< Home