الإخوان والدولة والاندفاع السريع نحو الهاوية
الإخوان والدولة والاندفاع السريع نحو الهاوية
بقلم د.حسن نافعه
طالعتنا الصحف المصرية صباح الجمعة الماضي بأنباء القبض علي ستة عشر قياديا بارزا ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين من بينهم المهندس خيري الشاطر النائب الثاني للجماعة وعدد من أساتذة الجامعات والنقابيين ونشطاء المجتمع المدني،, وكذلك القبض علي عدد كبير من طلاب جامعة الأزهر،
وذكرت هذه الأنباء أيضا أن عمليات الاعتقال في صفوف طلاب جامعة الأزهر كانت لاتزال جارية حتي مثول الصحف التي أوردتها للطبع، ويقول البيان الصادر حول هذا الموضوع عن وزارة الداخلية أن عمليات القبض هذه تمت بناء علي إذن من نيابة أمن الدولة العليا بعد ورود معلومات تفيد بأن القيادات التي ألقي القبض عليها متورطة في أحداث شغب جرت في حرم جامعة الأزهر صباح يوم الأحد الموافق ١٠ ديسمبر الماضي،
وأن هذه القيادات ساهمت في تشيكل مجموعات طلابية تنتمي للجماعة، أطلقت عليهم اسم «لجان الردع» وقامت بتدريبهم علي فنون القتال, وتسليحهم بالعصي والجنازير وتكليفهم بمباشرة اعتصامات وتظاهرات وأعمال شغب في أروقة الجامعة, ودفعهم للخروج إلي الطريق العام وتعطيل حركة المواصلات والقيام بعمليات تعد وتخريب للممتلكات العامة والخاصة، كما ذكر البيان نفسه أن الطلاب الذين تم القبض عليهم «حاولوا تنفيذ ذلك بالفعل، وأن بعضهم تولي تحطيم البوابة الرئيسية للجامعة والتعدي علي بعض الأساتذة والطلاب, وأن هذه الوقائع تم إثباتها في حينه وإخطار النيابة بها».
وليس بوسع أي مراقب محايد أن يؤكد أو ينفي صحة ما جاء في هذا البيان, وهناك ميل غريزي علي أي حال لعدم تصديق البيانات الصادرة عن وزارة الداخلية في مثل هذه الأحوال، خاصة أن عمليات القبض علي كوادر الإخوان تجري منذ سنوات، بمناسبة وبدون مناسبة ولأسباب أو بدون أسباب علي الإطلاق، وكانت أجهزة الأمن قد أفرجت قبل أيام عن قياديين بارزين من الجماعة، هما الدكتور عصام العريان العضو المنتخب بمجلس نقابة الأطباء والدكتور محمد مرسي النائب السابق في مجلس الشعب، سبق اعتقالهما منذ سبعة أشهر دون توجيه تهم محددة أو تقديم أي منهما للمحاكمة،
وكان التمديد لحبسهما طوال هذه المدة يتم دون أي سند من القانون، ولذلك لم يعرف أحد لماذا ألقي القبض عليهما ولماذا أفرج عنهما فجأة، ولأن هذا الوضع ليس حالة فريدة أو استنثنائية وإنما يعكس نمطا متكررا لعلاقة تبدو غير طبيعية وغير صحية بين دولة تدعي التعددية وبين التيار السياسي الأكثر تمثيلا في البرلمان، فإنه يستحق أن نتوقف عند دلالاته بالبحث والدراسة.
من المعروف أن «الجماعة» كانت قد لقيت ترحيبا عاما عند تأسيسها علي يد حسن البنا عام ١٩٢٨، باعتبارها جماعة دينية تدعو للمعروف وتنهي عن المنكر، لكن ما إن تحولت هذه الجماعة إلي قوة سياسية تسعي للسيطرة علي السلطة كوسيلة لإقامة النموذج المجتمعي الذي تسعي إليه حتي بدأت تصطدم بالنظام القائم،
اللافت للنظر هنا صدام الجماعة مع النظام، الذي اتخذ طابعاً دموياً أحياناً وقمعياً أحياناً أخري, جري في كل العهود والمراحل، بصرف النظر عن طبيعة النخبة الحاكمة في كل عهد أو مرحلة, وبصرف النظر عن التوجهات الفكرية والأيديولوجية لهذه النخبة أو سياساتها الداخلية والخارجية، ففي العهد الملكي دخلت الجماعة عام ١٩٤٩ في مواجهة شاملة مع نخبة حاكمة بدت «ليبرالية» التوجه, وفي الحقبة الناصرية دخلت الجماعة مرتين في مواجهة شاملة مع النخبة الحاكمة، الأولي عام ١٩٥٤ في وقت كانت تتبني فيه خطاً وطنياً والثانية عام ١٩٦٥ بعد أن أصبحت تتبني خطاً اشتراكياً موالياً للاتحاد السوفييتي،
وفي نهاية الحقبة الساداتية دخلت الجماعة عام ١٩٨١ في مواجهة شاملة مع نخبة بدت في ذلك الوقت محافظة وموالية للولايات المتحدة وإسرائيل، وإذا كانت النخبة الحاكمة في عهد الرئيس مبارك قد حرصت علي عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع الجماعة، فإن تصاعد التوتر يدفع بالعلاقة بين الطرفين نحو مواجهة شاملة تبدو قادمة لا محالة.
وتشير حصيلة المواجهات المستمرة بين جماعة الإخوان المسلمين وبين الفصائل المختلفة للنخبة التي تعاقبت علي حكم مصر منذ الربع الثاني منذ القرن الماضي, إلي عدة أمور أظن أنه آن أوان استخلاص الدروس المستفادة منها،
الأمر الأول: أن جماعة الإخوان ولدت لتبقي ولم يعد بمقدور أحد استئصالها من تربة الحياة السياسية والاجتماعية المصرية التي أصبحت متجذرة فيها، الأمر الثاني: أن الضربات المتلاحقة لم تزد الجماعة إلا إصرارا وقوة وأن حظر وجودها وتجريمها ودفعها أحيانا للعمل تحت الأرض يجعلها أكثر تطرفا وانكفاء علي نفسها وأقل قدرة علي التواصل والحوار مع الآخرين، الأمر الثالث: أن التضييق علي بقية الفصائل السياسية الأخري غير المشاركة في الحكم يصب في نهاية المطاف لصالح جماعة الإخوان وحدها، علي عكس ما قد يبدو ظاهرا فوق السطح, ويجعل منها البديل الوحيد للنظام القائم، خصوصا عندما لا يكون لدي هذا الأخير مشروع وطني تؤيده وتلتف حوله الطبقة الوسطي، كما هو الحال في المرحلة التي تمر بها مصر حاليا،
ويكفي أن نلقي نظرة سريعة علي نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة كي تتبين لنا هذه الحقيقة بوضوح تام، فقد أسفرت هذه الانتخابات, والتي لم يشارك فيها سوي ٢٣% من إجمالي الناخبين المسجلين في القوائم، عن حالة فراغ سياسي مخيف بسبب الاستقطاب الحادث بين جماعة الإخوان من ناحية والحزب الحاكم من ناحية أخري، ويعد هذا النوع من الاستقطاب خطراً جدا لأن أيا من طرفيه لا يشكل حزباً سياسياً بالمعني الدقيق، وبالتالي لا يمكن أن يكون قادراً علي طرح مشروع وطني بالمعني السياسي أو الاجتماعي.
إن القوة الظاهرة للحزب الحاكم تعكس قوة الجهاز الأمني والإداري للدولة بأكثر مما تعكس حجم التأييد الجماهيري لبرنامجه السياسي, والقوة النسبية الظاهرة لجماعة الإخوان تعكس قوة الدين في المجتمع بأكثر مما تعكس حجم التأييد الجماهيري للبرنامج السياسي لهذه الجماعة، وبين نخبة حاكمة تحاول فرض هيمنتها المنفردة بعنف أجهزة القمع وجماعة معارضة تتصدي لمقاومة الهيمنة بقيم الدين توجد حالة فراغ سياسي مخيفة تحول دون تمكين الأغلبية الصامتة,
والتي تمثل ثلاثة أرباع الناخبين من تنظيم صفوفها والنزول إلي ساحة العمل السياسي، وبينما تريد الأغلبية الصامتة كسر احتكار النخبة الحاكمة للسلطة والثروة، إلا أنها لا تبدو مطمئنة في الوقت نفسه لجماعة الإخوان, وهو وضع ترغب النخبة الحاكمة في استغلاله وتوظيفه لمصلحتها،, وذلك بإظهار جماعة الإخوان كفزاعة تخيف بها القوي الراغبة في التغيير، والحيلولة دون حدوث أي تداول حقيقي للسلطة، وهنا تكمن مفارقة تجعل الوطن يبدو محشوراً بين مطرقة الحزب الوطني وسندان الجماعة،
فالحزب الوطني يحتاج إلي تضخيم خطر الإخوان للتهرب من استحقاقات الإصلاح الحقيقي ولتكريس احتكاره للسلطة والثروة، والقمع الواقع علي الإخوان يحولهم في ظل الفراغ السياسي إلي ضحايا وبديل وحيد محتمل للنظام القائم، غير أن هذا البديل لن يأتي بالطريق السلمي وإنما في نهاية مرحلة من الاضطراب والفوضي يبدو أن النظام الحالي يسوقنا إليها حتماً.
لست من الذين يعتقدون أن جماعة الإخوان المسلمين تشكل بذاتها خطرا علي الوحدة الوطنية أو عقبة أمام إطلاق مشروع للتحديث والنهضة في مصر، الخطر يكمن في استئثار أي طرف وانفراده بالسلطة، بما في ذلك جماعة الإخوان نفسها،
فالانفراد بالسلطة من جانب طرف واحد يقود حتماً إلي تركيز السلطة في يد شخص مستبد ويحول دون تطوير المؤسسات، والاستبداد هو أقصر الطرق لشيوع وانتشار الفساد، وسوف يستحيل في تقديري إقامة مجتمع ديمقراطي حقيقي من دون مشاركة نشطة وفعالة من جانب تيار الإسلام السياسي بشكل عام, وليس جماعة الإخوان فقط وفي الوقت نفسه سوف يستحيل علي تيار الإسلام السياسي, وفي المقدمة منه جماعة الإخوان، أن يصبح طرفاً مشاركاً في الجهود الرامية إلي إقامة نظام سياسي ديمقراطي حقيقي ما لم يتحول إلي حزب سياسي مدني يقبل بمبدأ المواطنة وينبذ العنف كوسيلة للوصول إلي السلطة،
ويقتضي الإنصاف مني أن أقول إن حواراتي المتواصلة مع شخصيات إخوانية مسؤولة ولدت لدي إحساساً بأن المشكلة لا تكمن في جماعة الإخوان المسلمين بقدر ما تمكن في النظام السياسي القائم، فهذا النظام لا يرغب في قيام أي أحزاب سياسية تتمتع بقواعد شعبية حقيقية سواء كانت مرجعيتها الفكرية إسلامية أو مدنية، الدليل علي ذلك أن أحزاباً مثل الوسط والكرامة تناضل في دهاليز القضاء منذ عشر سنوات للحصول علي رخصة رسمية تسمح لها بمباشرة النشاط، فلماذا نطالب الجماعة بالسير علي طريق يعرف الجميع أنه مسدود ابتداء،
غير أن هذه الإجابة لا تعفي المجتمع المدني من المسؤولية، فقد بات لزاماً علي قوي المجتمع المدني أن تبحث عن صيغة مبتكرة تسمح بتبديد الشكوك بين الإخوان والقوي الراغبة في التحول الديمقراطي، فإن لم ننجح جميعا في تبديد هذه الشكوك المتبادلة بين الإخوان والقوي السياسية الراغبة في التغيير لا أمل في بناء نظام ديمقراطي حقيقي بديل، وعلينا أن نجلس القرفصاء في انتظار الكارثة القادمة.
وذكرت هذه الأنباء أيضا أن عمليات الاعتقال في صفوف طلاب جامعة الأزهر كانت لاتزال جارية حتي مثول الصحف التي أوردتها للطبع، ويقول البيان الصادر حول هذا الموضوع عن وزارة الداخلية أن عمليات القبض هذه تمت بناء علي إذن من نيابة أمن الدولة العليا بعد ورود معلومات تفيد بأن القيادات التي ألقي القبض عليها متورطة في أحداث شغب جرت في حرم جامعة الأزهر صباح يوم الأحد الموافق ١٠ ديسمبر الماضي،
وأن هذه القيادات ساهمت في تشيكل مجموعات طلابية تنتمي للجماعة، أطلقت عليهم اسم «لجان الردع» وقامت بتدريبهم علي فنون القتال, وتسليحهم بالعصي والجنازير وتكليفهم بمباشرة اعتصامات وتظاهرات وأعمال شغب في أروقة الجامعة, ودفعهم للخروج إلي الطريق العام وتعطيل حركة المواصلات والقيام بعمليات تعد وتخريب للممتلكات العامة والخاصة، كما ذكر البيان نفسه أن الطلاب الذين تم القبض عليهم «حاولوا تنفيذ ذلك بالفعل، وأن بعضهم تولي تحطيم البوابة الرئيسية للجامعة والتعدي علي بعض الأساتذة والطلاب, وأن هذه الوقائع تم إثباتها في حينه وإخطار النيابة بها».
وليس بوسع أي مراقب محايد أن يؤكد أو ينفي صحة ما جاء في هذا البيان, وهناك ميل غريزي علي أي حال لعدم تصديق البيانات الصادرة عن وزارة الداخلية في مثل هذه الأحوال، خاصة أن عمليات القبض علي كوادر الإخوان تجري منذ سنوات، بمناسبة وبدون مناسبة ولأسباب أو بدون أسباب علي الإطلاق، وكانت أجهزة الأمن قد أفرجت قبل أيام عن قياديين بارزين من الجماعة، هما الدكتور عصام العريان العضو المنتخب بمجلس نقابة الأطباء والدكتور محمد مرسي النائب السابق في مجلس الشعب، سبق اعتقالهما منذ سبعة أشهر دون توجيه تهم محددة أو تقديم أي منهما للمحاكمة،
وكان التمديد لحبسهما طوال هذه المدة يتم دون أي سند من القانون، ولذلك لم يعرف أحد لماذا ألقي القبض عليهما ولماذا أفرج عنهما فجأة، ولأن هذا الوضع ليس حالة فريدة أو استنثنائية وإنما يعكس نمطا متكررا لعلاقة تبدو غير طبيعية وغير صحية بين دولة تدعي التعددية وبين التيار السياسي الأكثر تمثيلا في البرلمان، فإنه يستحق أن نتوقف عند دلالاته بالبحث والدراسة.
من المعروف أن «الجماعة» كانت قد لقيت ترحيبا عاما عند تأسيسها علي يد حسن البنا عام ١٩٢٨، باعتبارها جماعة دينية تدعو للمعروف وتنهي عن المنكر، لكن ما إن تحولت هذه الجماعة إلي قوة سياسية تسعي للسيطرة علي السلطة كوسيلة لإقامة النموذج المجتمعي الذي تسعي إليه حتي بدأت تصطدم بالنظام القائم،
اللافت للنظر هنا صدام الجماعة مع النظام، الذي اتخذ طابعاً دموياً أحياناً وقمعياً أحياناً أخري, جري في كل العهود والمراحل، بصرف النظر عن طبيعة النخبة الحاكمة في كل عهد أو مرحلة, وبصرف النظر عن التوجهات الفكرية والأيديولوجية لهذه النخبة أو سياساتها الداخلية والخارجية، ففي العهد الملكي دخلت الجماعة عام ١٩٤٩ في مواجهة شاملة مع نخبة حاكمة بدت «ليبرالية» التوجه, وفي الحقبة الناصرية دخلت الجماعة مرتين في مواجهة شاملة مع النخبة الحاكمة، الأولي عام ١٩٥٤ في وقت كانت تتبني فيه خطاً وطنياً والثانية عام ١٩٦٥ بعد أن أصبحت تتبني خطاً اشتراكياً موالياً للاتحاد السوفييتي،
وفي نهاية الحقبة الساداتية دخلت الجماعة عام ١٩٨١ في مواجهة شاملة مع نخبة بدت في ذلك الوقت محافظة وموالية للولايات المتحدة وإسرائيل، وإذا كانت النخبة الحاكمة في عهد الرئيس مبارك قد حرصت علي عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع الجماعة، فإن تصاعد التوتر يدفع بالعلاقة بين الطرفين نحو مواجهة شاملة تبدو قادمة لا محالة.
وتشير حصيلة المواجهات المستمرة بين جماعة الإخوان المسلمين وبين الفصائل المختلفة للنخبة التي تعاقبت علي حكم مصر منذ الربع الثاني منذ القرن الماضي, إلي عدة أمور أظن أنه آن أوان استخلاص الدروس المستفادة منها،
الأمر الأول: أن جماعة الإخوان ولدت لتبقي ولم يعد بمقدور أحد استئصالها من تربة الحياة السياسية والاجتماعية المصرية التي أصبحت متجذرة فيها، الأمر الثاني: أن الضربات المتلاحقة لم تزد الجماعة إلا إصرارا وقوة وأن حظر وجودها وتجريمها ودفعها أحيانا للعمل تحت الأرض يجعلها أكثر تطرفا وانكفاء علي نفسها وأقل قدرة علي التواصل والحوار مع الآخرين، الأمر الثالث: أن التضييق علي بقية الفصائل السياسية الأخري غير المشاركة في الحكم يصب في نهاية المطاف لصالح جماعة الإخوان وحدها، علي عكس ما قد يبدو ظاهرا فوق السطح, ويجعل منها البديل الوحيد للنظام القائم، خصوصا عندما لا يكون لدي هذا الأخير مشروع وطني تؤيده وتلتف حوله الطبقة الوسطي، كما هو الحال في المرحلة التي تمر بها مصر حاليا،
ويكفي أن نلقي نظرة سريعة علي نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة كي تتبين لنا هذه الحقيقة بوضوح تام، فقد أسفرت هذه الانتخابات, والتي لم يشارك فيها سوي ٢٣% من إجمالي الناخبين المسجلين في القوائم، عن حالة فراغ سياسي مخيف بسبب الاستقطاب الحادث بين جماعة الإخوان من ناحية والحزب الحاكم من ناحية أخري، ويعد هذا النوع من الاستقطاب خطراً جدا لأن أيا من طرفيه لا يشكل حزباً سياسياً بالمعني الدقيق، وبالتالي لا يمكن أن يكون قادراً علي طرح مشروع وطني بالمعني السياسي أو الاجتماعي.
إن القوة الظاهرة للحزب الحاكم تعكس قوة الجهاز الأمني والإداري للدولة بأكثر مما تعكس حجم التأييد الجماهيري لبرنامجه السياسي, والقوة النسبية الظاهرة لجماعة الإخوان تعكس قوة الدين في المجتمع بأكثر مما تعكس حجم التأييد الجماهيري للبرنامج السياسي لهذه الجماعة، وبين نخبة حاكمة تحاول فرض هيمنتها المنفردة بعنف أجهزة القمع وجماعة معارضة تتصدي لمقاومة الهيمنة بقيم الدين توجد حالة فراغ سياسي مخيفة تحول دون تمكين الأغلبية الصامتة,
والتي تمثل ثلاثة أرباع الناخبين من تنظيم صفوفها والنزول إلي ساحة العمل السياسي، وبينما تريد الأغلبية الصامتة كسر احتكار النخبة الحاكمة للسلطة والثروة، إلا أنها لا تبدو مطمئنة في الوقت نفسه لجماعة الإخوان, وهو وضع ترغب النخبة الحاكمة في استغلاله وتوظيفه لمصلحتها،, وذلك بإظهار جماعة الإخوان كفزاعة تخيف بها القوي الراغبة في التغيير، والحيلولة دون حدوث أي تداول حقيقي للسلطة، وهنا تكمن مفارقة تجعل الوطن يبدو محشوراً بين مطرقة الحزب الوطني وسندان الجماعة،
فالحزب الوطني يحتاج إلي تضخيم خطر الإخوان للتهرب من استحقاقات الإصلاح الحقيقي ولتكريس احتكاره للسلطة والثروة، والقمع الواقع علي الإخوان يحولهم في ظل الفراغ السياسي إلي ضحايا وبديل وحيد محتمل للنظام القائم، غير أن هذا البديل لن يأتي بالطريق السلمي وإنما في نهاية مرحلة من الاضطراب والفوضي يبدو أن النظام الحالي يسوقنا إليها حتماً.
لست من الذين يعتقدون أن جماعة الإخوان المسلمين تشكل بذاتها خطرا علي الوحدة الوطنية أو عقبة أمام إطلاق مشروع للتحديث والنهضة في مصر، الخطر يكمن في استئثار أي طرف وانفراده بالسلطة، بما في ذلك جماعة الإخوان نفسها،
فالانفراد بالسلطة من جانب طرف واحد يقود حتماً إلي تركيز السلطة في يد شخص مستبد ويحول دون تطوير المؤسسات، والاستبداد هو أقصر الطرق لشيوع وانتشار الفساد، وسوف يستحيل في تقديري إقامة مجتمع ديمقراطي حقيقي من دون مشاركة نشطة وفعالة من جانب تيار الإسلام السياسي بشكل عام, وليس جماعة الإخوان فقط وفي الوقت نفسه سوف يستحيل علي تيار الإسلام السياسي, وفي المقدمة منه جماعة الإخوان، أن يصبح طرفاً مشاركاً في الجهود الرامية إلي إقامة نظام سياسي ديمقراطي حقيقي ما لم يتحول إلي حزب سياسي مدني يقبل بمبدأ المواطنة وينبذ العنف كوسيلة للوصول إلي السلطة،
ويقتضي الإنصاف مني أن أقول إن حواراتي المتواصلة مع شخصيات إخوانية مسؤولة ولدت لدي إحساساً بأن المشكلة لا تكمن في جماعة الإخوان المسلمين بقدر ما تمكن في النظام السياسي القائم، فهذا النظام لا يرغب في قيام أي أحزاب سياسية تتمتع بقواعد شعبية حقيقية سواء كانت مرجعيتها الفكرية إسلامية أو مدنية، الدليل علي ذلك أن أحزاباً مثل الوسط والكرامة تناضل في دهاليز القضاء منذ عشر سنوات للحصول علي رخصة رسمية تسمح لها بمباشرة النشاط، فلماذا نطالب الجماعة بالسير علي طريق يعرف الجميع أنه مسدود ابتداء،
غير أن هذه الإجابة لا تعفي المجتمع المدني من المسؤولية، فقد بات لزاماً علي قوي المجتمع المدني أن تبحث عن صيغة مبتكرة تسمح بتبديد الشكوك بين الإخوان والقوي الراغبة في التحول الديمقراطي، فإن لم ننجح جميعا في تبديد هذه الشكوك المتبادلة بين الإخوان والقوي السياسية الراغبة في التغيير لا أمل في بناء نظام ديمقراطي حقيقي بديل، وعلينا أن نجلس القرفصاء في انتظار الكارثة القادمة.

0 Comments:
إرسال تعليق
<< Home