Egyptian News - أخبار مصرية

هذه المدونة تعني بأخبار الوطن

السبت، نوفمبر ٢٥، ٢٠٠٦

العصابة.. وزعيمها

مصر: الاستمرار الأبدي في الحكم بين الرغبة والمناورة


محمد عبد الحكم دياب

في وقت تشهد فيه مصر أكبر تصدع بين عناصر الجهاز الحاكم وقواه، وفي ظروف عودة الصدام مع السلطة القضائية، وفي جو غياب الانسجام بين أركان الحرس القديم وأمانة السياسات التي يرأسها الرئيس الموازي ، جمال مبارك، وفي ظل ارتباك واضح في صفوف المؤيدين لـ التوريث ، وبعد زيارة وصفت بالفاشلة، قام بها حسني مبارك، لروسيا والصين، وبعض دول آسيا. ورغم حالة التداعي التي أعقبت الانتخابات الطلابية والعمالية، وما صاحبها من عزل واعتقال لأعداد من الطلاب والعمال، غير المرغوب فيهم سياسيا، وما ترتب علي ذلك من إقامة اتحادات طلابية ولجان نقابية عمالية موازية ، خارج نطاق الضوابط الرسمية، بجانب الضربة الموجعة، وتمثلت في تداعيات نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة، والخوف من انسحاب قوات الاحتلال من العراق بعد فشل المشروع الأمريكي، وتغير نظرة الغرب للدورين السوري والإيراني، المطلوبين في عملية البحث عن مخرج لمأزق الاحتلال، وكان بمثابة سحب اعتراف من محور ما يعرف بـ القوس السني ، الذي ضم السعودية ودول الخليج والأردن ومصر، ليكون الأداة الأمريكية لمواجهة ما يسمي بـ الهلال الشيعي ، المكون من إيران وسورية ولبنان والعراق!!.
رغم كل ذلك يأتي تصريح حسني مبارك، الذي ورد في خطابه أمام مجلسي الشعب والشوري الأسبوع الماضي، الذي قال فيه. سأواصل معكم مسيرة العبور إلي المستقبل متحملا المسؤولية وأمانتها ما دام في الصدر قلب ينبض ونفس يتردد ، وقوبل هذا الكلام بتصفيق حاد من أغلب الحضور، الذين وقفوا لتحيته، بمشاركة نواب من جماعة الاخوان المسلمين، وكان ملفتا للنظر استمرار التصفيق وتكراره، وكذلك إعادة القول علي مسامعهم أكثر من مرة.
وقد تكون التفسيرات والتأويلات للذي حدث ولفت الأنظار صحيحة في مجملها، فمن قال ان هذا تأييد للبقاء في الحكم حتي الموت، فينفي تكهنات أشارت إلي قرب تنحيه و توريث الحكم لابنه صحيح في بعضه، ومن ادعي أن التعبير بالتصفيق الحاد، وهو معتاد!!، يعبر عن خوف أعضاء المجلسين من انتقام الرئيس الموازي ، وعن تململ من أمانة سياساته، من الممكن أن يكون صحيحا كذلك. ومن قال ان ما جري هو خط دفاع أخير يعلن من خلاله حسني مبارك أنه ما زال هو الحاكم الأوحد، وليس خيال مآتة كما يصفه أعضاء في أمانة السياسات وعدد من مساعدي الرئيس الموازي ، قد يكون كل ذلك وغيره صحيحا في ظل عشوائية الحكم وفساده واستبداده وتبعيته، وفقدانه للاتجاه، ولا يستبعد أن يكون هذا سلوكا لا شعوريا من الأنصار والأتباع، لأن الاستمرار يطيل من عمرهم، ويحميهم من غائلة الفكر الجديد ، والسعي للتخلص منهم اليوم قبل الغد. وشد الأنظار إلي الداخل بعد أن فقدت مصر دورها الإقليمي والعربي والإسلامي، ونفوذها الدولي. وعلينا ألا نغفل أن هذا الكلام، مثل غيره، لن يغير من الأمر شيئا، فالعناد المعتاد، والعمل بشكل معاكس لمطالب الناس، وتحدي الرأي العام، ومعاداة الشعب، والغرور والاستكبار الزائد، كثيرا ما أعطي مثل هذا الكلام معاني تتناقض مع منطوقه، ولم يتعود حسني مبارك علي التراجع إلا تحت ضغطين لا ثالث لهما، الأول هو الضغط الصهيوني، والثاني هو الضغط الأمريكي، وبعد ربع قرن من الحكم المباشر، سبقتها ست سنوات نائبا للرئيس، أصبح الرجل كتابا مفتوحا، لا تستعصي قراءته إلا علي قلة، إما مصابة بفقدان البصر أو تعاني من عمي البصيرة، والهدف الحقيقي لهذا الكلام هو طمأنة نفوس قلقة، أو إطلاق سحابة دخان سياسية تموه وتخفي النوايا الحقيقية، علي أمل الحد من آثار التصدع في جدران النظام، ومعالجة الشروخ البالغة في أساساته.
هذه التصدعات والشروخ جعلت كل مجموعة تلعب بطريقتها.. فـ الرئيس الموازي ، ترك ملعب الحرس القديم بكامله لوالده، نتيجة فشل جهود التهدئة والمصالحات أثناء انتخابات العام الماضي، وهو ما أدي بكمال الشاذلي إلي السعي للعودة إلي مركز النفوذ والصدارة، بدعوي وقف التصدع القائم.. طلب وألح علي زكريا عزمي، منذ أسابيع، أن يرتب له موعدا مع حسني مبارك، وكان عزمي متحمسا لإنجاح المقابلة، فقد تمكنه عودة الشاذلي من التصدي لغريمه أحمد عز وأباطرة أمانة السياسات، الذين يعملون للتخلص منه، كآخر ركيزة يعتمد عليها مبارك الأب، وفوجئ عزمي بخشونة المعاملة، ومستوي بطش مبارك الأب برجله السابق، ويشير مصدر مطلع إلي أن كمال الشاذلي انهار باكيا، في مواجهة سيل الشائم والإهانات والسباب، ومستوي الحدة، الذي كاد يصل إلي الصفع. واستخدام مفردات مهينة للغاية، تضع ناشرها تحت طائلة القانون، ومع ذلك طلب الصفح، مقابل أن يكون رهن الإشارة والطاعة المطلقة، ورُفضت توسلاته ورجاءاته، وعزمي، الذي لم يكن يتوقع هذه الخشونة، ولا هذا المستوي من المعاملة، بدأ يقلق علي مصيره هو نفسه!! ويخاف من استغلال غريمه، أحمد عز، لما جري، فيوجه له ضربة قاضية، خاصة بعد زيادة التوتر بين عزمي، رئيس ديوان الرئاسة، وحبيب العادلي وزير الداخلية. كل منهما متربص يتحين الفرصة للإطاحة بالآخر.
وهذه من أهم معالم ضعف حكم مبارك، إلا أن العقدة الحقيقية هي في أن كلا من الرئيسين، الأصلي والموازي، يعمل علي حماية أنصاره ومواليه من انتقام الآخر، ووصلت الحرب الأهلية بينهما إلي نقطة اللاعودة. وتقول مصادر موثوقة ان الرئيس الموازي تعهد لمساعديه وأتباعه بحمايتهم مهما كان الثمن، وأخذ علي نفسه عهدا بوقف التلاسن الدائر بين عزمي وعز!!.
وتشير أدق المصادر إلي أن الرئيس الموازي توصل إلي حل، يناقشه مع خلصائه، يقوم علي سلخ أمانة السياسات عن الحزب الحاكم، ويجعل منها نواة لحزب جديد، يريحه من صفوت الشريف وزكريا عزمي وفتحي سرور، وعدد من الحرس الجديد ، وعلي رأسهم رئيس الوزراء أحمد نظيف، ويري الرئيس الموازي أنه يحكم بالفعل، فلماذا لا ينأي بنفسه عن رجال الحرس القديم ومشاكلهم، فبجانب احتقاره لهم جميعا يتصور أنهم عقبة أمام طموحه، فطموحاتهم متواضعة، من وجهة نظره، لمحليتها، وطموحاته لا تقف عند حد، باعتباره، وجماعته، الامتداد المصري والعربي للمحافظين الجدد في واشنطن، فهم الأقوي، حسب نظرته، أما علاقة الحرس القديم بالإدارة الأمريكية أقل من هذا المستوي بكثير، وترتبط بدفئها وبرودتها مع حسني مبارك، وعلي جبهة الصهينة ، يري أن الحرس القديم يمارسها بخجل، أو من وراء حجاب، أما هو فيمارسها عن قناعة والتزام، لا يخجل من العلاقة الخاصة بـ المحافظين الجدد ، ولا يحتاج إلي ساتر في التواصل القائم بينه وبين المنظمات والدولة الصهيونية، وعندما دفع بأحد مساعديه، رشيد محمد رشيد، لتوقيع اتفاقية الكويز ، قام بذلك وهو مرتاح البال، دون إحساس بالذنب، أو اعتبار لقيم وطنية أو أخلاقية، لأن صهينة الصناعة المصرية، من أهم النقاط علي جدول أعمال المحافظين الجدد ، الذي هو جدول أعماله، وهذا جعله علي ثقة بإمكانية تمرير التوريث لدي البيت الأبيض، وجماعات الضغط اليهودية والصهيونية في الولايات المتحدة وأوروبا.
وهناك من يرجح هذا الحل، ويرجع ذلك إلي أن احساس أمانة السياسات بأن المهمة الموكولة لها بتصفية الدولة، تحتاج انفراد الرئيس الموازي بالحكم والسلطة، وقد يستغرب البعض هذا القول، ونسوا أن مهمة تصفية الدولة العراقية وشطبها من علي الخريطة قام بها عراقيون، وهناك مصريون علي استعداد لتدمير شعبهم ودولتهم، عندما تتاح لهم الفرصة، وهذا هو سر سعار المعركة ضد القضاة لتصفيتهم، كجزء من تصفية سلطة أساسية من سلطات الدولة، وتوظيف قانون الطوارئ في ذلك، والتصفية المستهدفة تتم بدعوي تطهير السلطة القضائية، والتطهير هنا ليس بمعناه الجنائي أو القانوني، لوقوع مخالفات أو تجاوزات مثلا، بل بمعناه المعاكس، فالمستهدفون هم خيرة وأنظف وأكثر ما بقي في مصر من نزاهة وكبرياء في زمن عز فيه كل ذلك، وبدلا من العض عليهم بالنواجذ يتعرضون للتنكيل والبطش والملاحقة. لم يرتكب أي منهم مخالفة، ولم يتجاوز أحدهم حدوده.. يعقابون علي نزاهتهم، وشهاداتهم المحررة والمسجلة والموثقة، للتزوير الفاضح للانتخابات الأخيرة.. إنه أشبه بـ التطهير العرقي الذي يقوم علي مبررات لاأخلاقية، ونوازع نرجسية، وأنانيات فئوية، واستكبار فردي. يُغلب الباطل علي الحق، فيستمر ميزان العدل في اختلاله، ويبقي الاستبداد في تفشيه، ويعم الفساد، وتدوم التبعية. لكن قد يفشل هذا الحل كما فشل مشروع حزب المستقبل من سنوات!!
أما الأهم هو فيما هو قادم، فبعد اتهام الرئيس الصهيوني بالاغتصاب والتحرش الجنسي، وتقديمه للمحاكمة الجنائية، ومواكبة لما يتردد في الأوساط الأمريكية عن عزل جورج دبليو بوش من منصبه لتورطه في العراق وأفغانستان، هذا شجع تيارا، ما زال وليدا، في درس إمكانية عزل حسني مبارك أو الحجر عليه، لكبر سنه، وفقدان الأّهلية، وفساد نظامه، وصدامه مع أحدي سلطات الدولة الثلاث، فوجود الدولة الحديثة لا يستقيم علي وحدانية السلطة التنفيذية، وتبعية السلطتين التشريعية والقضائية لها، وعدم استقلالها عنها يزيد من توغلها، ويفاقم من وحشية الأمن وتجبر الحاكم واستبداده، والموقف الحالي من السلطة القضائية يعني، في نظر كثيرين، رغبة قائمة في هدم الدولة علي رؤوس من فيها.

تحالف قوي التسلط والفساد لن يسمح بالإصلاح


المستشار هشام البسطويسي : تحالف قوي التسلط والفساد لن يسمح بالإصلاح

كتب وائل علي

أكد المستشار هشام البسطويسي نائب رئيس محكمة النقض - عضو لجنة متابعة قرارات الجمعية العمومية لنادي القضاة، أنه يحق لأعضاء السلطة كغيرهم من المواطنين، التمتع بحرية التعبير والاعتقاد وتكوين الجمعيات والتجمع حسب نص المادة الثامنة من إعلان ميلانو الصادر في ٢٦/٨/١٩٨٥، ومع ذلك يشترط أن يسلك القضاة دائماً لدي ممارسة حقوقهم، مسلكاً يحفظ منصبهم ونزاهة استقلال القضاء.

وقال البسطويسي في محاضرته التي ألقاها بالجامعة الأمريكية أمس الأول حول «استقلال القضاء والتعديلات الدستورية» إن الدستور المصري أوجب علي كل مواطن مصري - ولم يستثن أحداً - في المادة ٤٧ أن: «حرية الرأي مكفولة ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون والنقد الذاتي والنقد البناء ضماناً لسلامة البناء الوطني».

ونصت المادة «٧٣» من قانون السلطة القضائية علي أنه: «يحظر علي المحاكم إبداء الآراء السياسية، ويحظر علي القضاة الاشتغال بالعمل السياسي، ولا يجوز لهم الترشح لانتخابات مجلس الشعب أو الهيئات الإقليمية أو التنظيمات السياسية إلا بعد استقالتهم»، فالنص لم يحظر علي القاضي إبداء الرأي ولو كان سياسياً، وانتقد الحزب الوطني وقال ان رؤيته للإصلاح تسير علي مبدأين هما:

١- إن الأولوية للإصلاح الاقتصادي وليس للإصلاح السياسي، لأسباب تتصل بمستوي معيشة أفراد الشعب ومتوسط دخل الفرد، كما تتصل برأي قيادات حكومية في مستوي الوعي والنضج السياسي للشعب.

٢- وإن الإصلاح سواء كان اقتصادياً أو سياسياً، لا يكون دفعة واحدة لما في ذلك من خطر تعريض البلاد للفوضي، وبالتالي يتعين أن يحدث الإصلاح علي مراحل وخطوة بعد خطوة.

وأكد أن التجارب الإنسانية أثبتت خطأ كل من المبدأين، مؤكداً أن تحالف قوي التسلط والفساد الإداري والسياسي والاقتصادي، لن تسمح بأي خطوة إصلاحية، بدليل ما حدث مع الصحفيين بشأن إلغاء العقوبات السالبة للحرية، وما حدث من إجهاض مشروع نادي القضاة لإصلاح السلطة القضائية.

وأضاف أن من خلال ما تقدم، تتضح موضوعات التعديلات الدستورية التي سيكون علي القضاة والشعب معاً، اتخاذ موقف بشأنها علي طريق الإصلاح القضائي الذي يطول بأكثر من هذه الخطوات، ولكن اقتصرت عليها لأنها القدر الذي يجوز للقضاة أن يتعرضوا له برأي دون أن يغادروا سياج الضمانات التي تحفظ لهم حيادهم ونزاهتهم واستقلالهم وهيبة مناصبهم كالتالي:

أولاً: يتعين علي الشعب بكل فئاته وقواه السياسية، مقاومة أي تعديل للمادتين «٤١» و«٨٨» من الدستور، فالمادة «٤١» هي مادة الحريات العامة والتي تحظر أي مساس بها إلا بأمر قضائي مسبب، وإلغاء حالة الطوارئ، ومكافحة الإرهاب لا يستلزمان تعديل هذه المادة، أما بالنسبة للمادة «٨٨» فهي مادة الإشراف القضائي علي الانتخابات والقضاة، لا مانع لديهم في تشكيل لجنة مستقلة للإشراف علي الانتخابات، ولكن من يضمن هذا الاستقلال.

ثانياً: في خصوص المادة «٧٦» من الدستور، فهي تتناول ثلاثة أمور.

١- شروط الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية، ورأيي الشخصي أنه لا يلزم فيها أي شروط تزيد عن الشروط اللازمة للترشيح لعضوية مجلس الشعب، فكل منهما يمثل الشعب بأكمله وينوب عنه.

٢- ضمانات جدية الترشيح، وللأسف فإن صياغة المادة «٧٦» لم تكن تهدف ضمان جدية الترشيح، بل كانت هذه هي الحجة لوضع ضمانات تمنع المرشحين الجادين وتفتح الباب أمام غيرهم، فأصبحت ضمانات لعدم جدية الترشيح، وأحسب أن أفضل ضمانة لجدية المرشح هي رأي الناخبين فيه، ولذلك يتعين فتح الباب أمام كل مواطن يرغب في الترشيح ولا ينتقص من أهمية المنصب ولا من جلاله، ولا من هيبته أن يصل عدد المرشحين لألف مرشح، كما حدث في الانتخابات الإيرانية التي أقر الجميع بنزاهتها.

٣- كيفية إجراء الانتخابات وتشكيل اللجنة المشرفة علي إجرائها، وهذا هو الجزء الأخطر والأهم في المادة «٧٦» ولا يحظي باهتمام كل أصحاب الرأي في تعديل المادة «٧٦» بالقدر الكافي، لأن حتي مع فتح باب الترشيح للجميع، فإن إجراء الانتخابات بإشراف اللجنة المنصوص عليها وبالطريقة التي تمت من قبل، لا يضمن انتخابات نزيهة وشفافة وعلنية، فيتعين أن يكون تشكيل اللجنة بطريقة محايدة، وهي انتخاب أعضائها من قضاة الحكم وحدهم عن طريق الجمعيات العمومية للمحاكم.

أما في خصوص المادة ٧٧ فيتعين أن تعود إلي أصلها كما كانت بحظر شغل المنصب لأكثر من دورتين متتاليتين.

ثالثاً: في خصوص المادة ٩٣ من الدستور وهي المادة المعروفة بمادة «سيد قراره» فإن القول بأن منح السلطة التشريعية القول الحاسم في صحة عضوية أعضائها دون تقيد برأي محكمة النقض في الطعن الانتخابي اقتضاه التطبيق لمبدأ الفصل بين السلطات قول ينطوي علي مغالطة وغش لأن تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات معناه أن تستقل كل سلطة في ممارسة اختصاصاتها ووظيفتها علي سبيل الانفراد دون أن تنازعها سلطة أخري في اختصاصها أو وظيفتها ودون تدخل أو تسلط من سلطة أخري عليها، ولا شك في أن السلطة القضائية تختص وحدها وعلي سبيل الانفراد بالفصل في المنازعات ولا يجوز منح هذا الاختصاص لأي من السلطتين الأخريين. فيجب تعديل المادة ٩٣ لترتب أثراً فورياً بإسقاط عضوية من يصدر حكم ببطلان عضويته للبرلمان بمجرد صيرورة الحكم نهائياً دون أن يتوقف ذلك علي قرار من أي سلطة أخري.

رابعاً: يتعين إلغاء كل من المجلس الأعلي للهيئات القضائية وإلغاء المدعي الاشتراكي والنص علي حظر تشكيل أو إنشاء أي جهة تحقيق أو حكم خاصة أو استثنائية خارج إطار السلطة القضائية.

خامساً: النص علي حظر محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري وأن يقتصر اختصاصه علي محاكمة العسكريين عن الجرائم النظامية.

سادساً: النص علي تعويض الدولة لأي شخص يتعرض لضرر مادي أو معنوي من جراء عمل أحد أعضاء السلطة القضائية بفرعيها العادي أو الإداري أو أحد قضاة المحاكم العسكرية نتيجة خطأ مهني جسيم أو تقصير في واجباته أو غش.

سابعاً: حظر ندب القضاة لأعمال خارج نطاق السلطة القضائية باستثناء الندب للإشراف علي الانتخابات العامة.

ثامناً: حظر اختيار قاض معين لنظر قضية معينة وأن يكون توزيع القضايا علي القضاة وفقاً لقاعدة عامة مجردة تضعها الجمعيات العمومية للمحاكم في بداية كل عام قضائي.

تاسعاً: حظر التمييز بين المواطنين المرشحين للعمل في القضاء علي أساس الجنس أو اللون أو الدين أو العقيدة أو الانتماء العرقي أو السياسي أو الطبقي.

عاشراً: أود أن ألفت الانتباه إلي ضرورة تعديل نص المادة ١٨٠ من الدستور لأنها بصياغتها الحالية تدعو القوات المسلحة للانقلاب علي نظام الحكم الحالي لأنها تجعل من مهامها حماية المكاسب الاشتراكية، وأعتقد أن هذا النص غير مناسب ومن الواجب تعديله ليصبح واجب القوات المسلحة حماية الدستور وضمان عدم الانقلاب عليه وعلي مبادئه الأساسي.


الأحد، نوفمبر ١٩، ٢٠٠٦

الوارث.. والمورث


الوارث.. والمورث

كعادته أتحفنا السيد الرئيس اليوم بخطاب منمق وملئ بالكذب والوعود التي لا تتحقق!! لا جديد فيه .. لا جديد على الأطلاق ..
ربع قرن من الجبروت والكذب والنهب وأرهاب المواطنين .. لكن ربع قرن لا تكفي "نيرون" مصر .. فها هو يعلنها على أسماعنا أنه راكب على ظهرنا وجاثم على صدرنا ما دام فيه نفس يتردد!!
هذا للأسف لا يعطي المصريين أي خيار الا أنتظار "الأسلامبولي" القادم .. هذا بالطبع أذا أخذنا في أعتبارنا حالة الجيش المصري وأهله التي يرثى لها!
غير أن "أسلامبولي" آخر قد يوقعنا في براثن الوريث! وتلكم سوف تكون أسوأ السيناريوهات! فقد يأخذنا من "نيرون" الى "هتلر".
ذلك أنه لا يخفى على قرائنا الكرام ما يُشاع عن أن الوريث كان - وربما لا يزال- يٌعالج من "نُفاس الشيزوفرانيا" في الولايات المتحدة ، كما ورد على لسان هويدا طه بالقدس العربي ، وذلك ربما يعكس تردد الأدارة الأمريكية في دعم مشروع التوريث ، وكذلك حرص الرئيس مبارك الدائم على نفي مشروع التوريث!
غير أن ما نعلمه يقينا وما تحت أيدينا أسانيده بما لا يدع أي مجال للشك من تعامله كبار رجال الدولة بما فيهم الوزراء ورؤساء الوزراء ، هو أن جنابه يعاني من "نُفاس" جنون العظمة! وفي حين أن المريض "بالعُصاب" (مرض عصبي) - مثل القلق والأكتئاب والهوس - يمكن التعايش معه ، فأن المريض "بالنُفاس" (مرض نفسي) لا يمكن بحال أن يكون في مثل هذا الموقع - لسبب بسيط وهو فقدانه للبصيرة وصحة الحكم على الأشياء وأنفصاله عن الواقع ، وأن أختلفت هذه العلامات حسب نوع وشدة مرض "النُفاس". قد يدعونا هذا أذن الى أن نبتهل أن لا يأتي "أسلامبولي" آخر ، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.

السبت، نوفمبر ١١، ٢٠٠٦

وقائع التحرش الجنسى الجماعى فى وسط البلد


وقائع التحرش الجنسى الجماعى فى وسط البلد
شهود عيان وخبراء يروون
مجدى عبد الرسول

لازالت الأحداث التى وقعت فى وسط البلد مثار دهشة ومصدر تخوف بالنسبة للجميع حيث قام بها مجموعة من الشباب المرضى بالهوس الجنسى بالاعتداء على الفتيات فى وسط البلد لم يفرق هؤلاء الصبية والشباب المجانين بين الفتيات والنساء من حيث الأزياء أو الأعمار.. المهم فى هذا كله أن الشرطة التى اعتدنا وصولها بعد وقوع المحظور مثل الأفلام العربية لم تأت أبدا ولم تحرك ساكنا ذلك لأن كل ما يهمها وكل ما كلفت به من واجبات هو مجرد حماية النظام الحاكم لا حماية المواطن ولم تحرك ساكناً إزاء غياب الانضباط تماماً عن الشارع المصرى. والشرطة معذورة طبعاً فهى منشغلة برصد العشرات من سيارات الأمن المركزى ومئات الجنود المسلحين، ومئات من بلطجية السجون وأمن الدولة فى قمع المظاهرات التى تنادى بإسقاط النظام.. والقضاء على الفساد هذه الشرطة أسد على المواطنين العزل وفى الحروب نعامة العربى انتقلت إلى مواقع هذه الأحداث والجرائم التى ترتكب جهاراً نهاراً وتحدثت مع شهود عيان كما سعت للبحث عن تحليل مرجعية ما حدث من خبراء فى أكثر من مجال وفى البداية يروى محمد رشدى شاهد عيان أحداث اليوم الثانى من العيد ويؤكد أن القصة بدأت بعد العاشرة مساء ثانى أيام العيد بعد ظهور تجمع شبابى تتراوح أعماره بين ال15 وال25 عاماً ورددوا هتافات جنسية ذهابا وإيابا داخل شارع طلعت حرب وأمام دور العرض. وفوجئت بإحدى الفتيات أثناء جلوسى مع خطيبتى فى أحد المطاعم تقتحم المطعم وتطلب نجدتها من أيدى شباب تعقبوها للداخل بغرض اختطافها مما جعل العمال يغلقون الأبواب وقاموا باستخدام بعض الزجاجات الفارغة والمملوءة بالمياه والتلويح بها فى وجه الشباب لمنعهم من اقتحام المطعم. وفجأة صاح شاب أنه رأى فتاة على الجانب الآخر فذهب الحشد إليها وقام بطرحها على إحدى السيارات التى كانت تقف فى الأماكن المخصصة للجراج بشارع طلعت حرب وفى نفس الوقت قام بعض المراهقين بنزع ملابس الفتاة التى كانت بصحبتها سيدة كبيرة فى السن التى استغاثت بأصحاب المحال التجارية التى لم تغلق أبوابها بعد لنجدتها. الأمن لم يختلف كثيراً داخل ميدان الألفى حيث يتوافد الشباب من الجنسين وهناك تجمع بعض المراهقين فى الميدان وأمام المطاعم الشهيرة التى قام عمالها بحماية البنات بإدخالهن المحال التجارية ثم القيام بمواجهة المراهقين والتصدى لهم مستخدمين بعض العصى والأحزمة. الأمر الثانى الذى كشفت عنه مصادر سابقة بجهاز الشرطة أن الأداء الخدمى للضباط أثناء الاجازات الرسمية والأعياد يكون عادة فى أقل درجاته، نظرا لأن البلد فى هذه الحالة تقوم بالاحتفال بالمناسبة سواء كان ذلك عيدا رسمياً أم لا. وعادة ما تكون الخدمات متواجدة ولكن فى حالة تراخ نظرا لأن التكليفات تصدر لهم بعدم الاجازات حتى بالتناوب. وأرجع الدكتور أحمد ماضى أبو العزايم أستاذ الطب النفسى المسئولية على الأسرة التى أصبحت مفككة بفعل الظواهر الاجتماعية والاقتصادية السيئة والقبيحة. إن النظام يتحمل نتيجة كل هذا فهو المسئول الأول عن المظاهر التى نراها الآن. ونوه أبو العزايم إلى أن مصر تحتاج إلى حالة وفاق وطنى.. فلوا استمر إهمال الشباب والأجيال الصاعدة فإن الأزمات سوف تتوالى وتصبح البلاد فى حالة ضياع حقيقية وفوضى عارمة لن ينجو منها أحد. ومهما قانت أجهزة الأمن بحشد مئات الآلاف من قواتها للسيطرة على الموقف لن تفلح هذه الخطط أبدا.. لأن زمام الأمور انفلت وانتهى بانتهاء عمر هذه القيادات! فالطوفان قادم.. قادم.. والعنف سوف يتزايد وهذا تعكسه الحالة الضبابية التى نعيشها جميعاًَ. حمل اللواء فؤاد علام مساعد مدير أمن الدولة الأسبق وزارة الداخلية مسئولية مايدور الآن بالصحف ووسائل الإعلام حول أحداث العيد.. لأنها لم تصدر بيانا يوضح ويكشف الملابسات التى تحدث عادة أثناء لهو الشباب فى العيد.. فالمراهقون يسيرون أفواجا على كورنيش النيل حاملين الطبل والزمر ويقومون بحالة غناء جماعى وقد حدث بعض من هذا فى وسط المدينة ولكن بشكل مختلف عندما تكدست مجموعة من الشباب أمام بعض دور العرض السينمائى ومشاهدة إحدى الراقصات التى تمايلت لجذب انتباه الشباب والمراهقين بهدف الترويج الإعلامى لفيلم سينمائى من هنا بدأ الشباب فى الهياج بسبب ما شاهدوه. وحذر علام من انهيار الأخلاق فى المرحلة القادمة نظرا لاختفاء دور المدرسة والجامعة.. خاصة ان بعض الجامعات بها أماكن ممنوع الاقتراب منها إلا لبعض الذكور والإناث لتعاطى المخدرات أو ممارسة الفجور فالمجتمع المصرى الآن يتفسخ أمام شرائح اجتماعية جديدة وسوف يفرز عصابات فى المستقبل القريب وإرهابيين من نوع جديد ليس مألوفاً لدى أجهزة الأمن.. وهى كلها مشاكل ناتجة عن الانهيار الاجتماعى والاقتصادى والسياسى، فالأرقام لدى أجهزة الأمن حول ارتفاع معدلات الجريمة أصبحت مخيفة. كما أن الدور المنوط بالدولة اختفى تماماً وهناك وسائل إعلامية تثير الغرائز وتحض على العنف والكراهية.. كما أن لغة الحوار بين الأسرة الجامعية سيئة للغاية فالسباب والشتائم هما أبرز وسائل التعامل لمعظم الطلاب حالياً داخل الكليات والمدارس أيضاً. الدكتورة إجلال صبحى أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس تؤكد أن مظاهر التحرش ضد السيدات والفتيات موجودة منذ وقت طويل فى المواصلات العامة ولكنها لم تصل أبدا إلى الشكل الذى رأيناه مؤخراً.. فالشباب لديه كبت ليس مقصوراً على الحالة الجنسية ولكنه يمتد إلى نواح أخرى منها السياسى والاجتماعى والاقتصادى ولهذا تكون لديه شعور بالضياع وفقدان الأمل والإصلاح.. وأشارت الدكتورة إجلال إلى وجود ظواهر دينية فى المجتمع المصرى يطلق عليها التدين المزيف بمعنى ارتداء الفتاة لغطاء الرأس فى حين تظهر بعض مفاتن جسدها عن طريق زى ضيق جداً وهو ما يجعل بعض الشباب ينظر إليهن فى حالة شاذة ويثير غرائزهم الجنسية المكبوتة أصلاً.. فالسلوك الدينى لدى بعض المصريات غير قائم على أسس شرعية سليمة ولا توجد ضوابط تتحكم فيه فهناك من ترتدى الحجاب دون قناعة شخصية منها ولكن رغبة لبعض الآباء وأولياء الأمور وبالتالى تكون المظاهر والنتائج أشد سوءآً.. وتقع هذه المسئولية على الدعاة ويجب عليهم إعادة تصحيح المفاهيم الشرعية للمسلمات بالشكل السليم بدلاً من الأوضاع الراهنة. واعترف الدكتور فريد واصل مفتى الجمهورية الأسبق أن البلاد تعيش مرحلة الأمية الدينية وعدم الوعى للمفهوم الدينى الصحيح فى إطار افتقاد المدارس والجامعات لبعض الأسس الأخلاقية السليمة. فهناك تعامل مع الدين الإسلامى فى الوقت الراهن بشكل مهمش ولا أحد يعطيه حقه فى إطار ما يسمى بمحاربة الإرهاب والمتطرفين. وقال إن فاقد الشيء لا يعطيه فالأسرة المكونة من عائل لم يترب على الأسس الإسلامية الصحيحة والأخلاق الكريمة التى وضعها معلم البشرية الرسول الكريم، وبالتالى أبناء هؤلاء يسيرون على ذات المنهج التربوى السيء ومن هنا تكون النتائج أشد سوءاً.

فضيحة وسط البلد

فضيحة وسط البلد

د. جلال أمين

الذى حدث فى وسط البلد فى القاهرة، فى أول أيام العيد، من مهاجمة عشرات والبعض يقول مئات من الشباب للنساء، فى الطريق العام، بمرأى من الناس، بمن فيهم بعض رجال الشرطة، جعل الجميع يشعرون بأن شيئا جديدا وخطيرا يحدث، أو أن شيئا خطيرا بدأ يظهر للعيان، ولم نكن نظن أنه وصل إلى هذا الحد. والمغزى الأساسى الذى خرجت به من هذا الحادث، خاصة وقد حدث بعد أيام قليلة من اكتشافنا أن مياه الشرب فى عدة مدن وقرى مصرية اختلطت بمياه المجارى، مما أدى إلى دخول عشرات إلى المستشفيات ووفاة بعضهم، هو أن النظام المصرى، بعد ثلاثين عاما من السياسات البالغة الاستهتار والأنانية، قد أدى إلى هبوط نسبة لا يستهان بها من المصريين إلى ما يكاد يشبه منزلة الحيوانات. حدث هذا عن طريق تجويع نسبة كبيرة من المصريين، وإهمال تعليمهم، والتراجع عن توفير فرص عمل مجزية لهم، وعن إقامة مساكن تصلح لسكنى الآدميين، وتسمح لهم بالزواج والاستقرار، وعن إتاحة وسائل للمواصلات تحافظ على كرامتهم.. إلخ. تحولت هذه النسبة من المصريين التى قد تصل إلى 40% من السكان معظمهم من الشباب، إلى كائنات تهيم على وجوهها فى الشوارع، فاقدة للأمل، وتكلم نفسها أحيانا، لا تفكر إلا فى أساسيات الحياة، كتوفير الطعام لنفسها وأولادها، أو تبحث عن الإشباع الجنسى بالالتصاق بالنساء فى وسائل النقل العام والآن فى الشوارع، أو بورقة عرفية يعرف أصحابها أنها لا قيمة قانونية لها، أو ترتكب جرائم قتل للحصول على مبلغ تافه من المال، أو تدمن مخدرات رخيصة تريح المرء من التفكير فى الواقع القاسى المحيط به، وتخفف فى نفس الوقت من وطأة الشعور بالجوع، أو تبحث عن أية وسيلة للهروب من البلد أملا فى الحصول على مصدر للرزق، كالذهاب إلى السعودية بزعم أداء العمرة، ثم الاختفاء هناك فى الصحراء عندما يجيء وقت العودة إلى مصر كما فعلت نسبة كبيرة من عشرين ألفا من المعتمرين فى الشهر الماضى نشرت الجرائد أن معظمهم من المصريين، أو قبول أى عرض من مقاولى الأنفار لترحيلهم عبر البحر المتوسط إلى إيطاليا، ثم السباحة والتسلل إلى داخل إيطاليا أملا فى ألا يراهم رجال الشرطة الإيطالية، ثم يبحثون لأنفسهم عن عمل هناك، ولو اشتغل المهندس شيالا، والمحاسب خادما فى فندق، والمحامى بائع جرائد، هذا إذا نجوا من الموت غرقا فى الطريق. هؤلاء شباب ليس لديهم ما يفقدونه. لا زوج ولا أبناء ولا وظيفة كريمة ولا مال. والأب والأم مشغولان عنهم بالبحث عن لقمة العيش. ولا أمل فى المستقبل المنظور فى الحصول على أى شيء من هذا: الأسرة أو الوظيفة أو المال. كما أنهم لا يخشون نظرة الناس المحيطين بهم، وما قد تولده أفعالهم من كراهية أو احتقار، فهم مكروهون محتقرون على أى حال، لأنهم ليس لديهم ما يميزهم عن الآلاف المؤلفة من قطعان الشباب الضالة فى الطرقات، بل ليس لديهم ما يخافونه من رجال الأمن، إذ أن نسبة كبيرة من رجال الأمن لا يختلفون كثيرا هم أنفسهم عن هذا الشباب الضائع، إذ فلتلاحظ النظرة البائسة على وجوه رجال الشرطة، من فرط ضياع الأمل، وأجسامهم الهزيلة من فرط الجوع، وذلهم وعجزهم عن طرد ذبابة، ناهيك عن ملاحقة شباب يحاولون الاعتداء على امرأة فى الطريق، فمعظم رجال الشرطة لديهم نفس مشاكل الفقر والجوع وسوء حال السكن وضعف الأمل فى الزواج، فضلا عما يتعرضون له يوميا من إذلال من الضباط الذين لديهم مشاكل قد تكون مختلفة بعض الشيء فى النوع، ولكن مصدرها الأصلى هو نفس مصدر مشاكل رجال الشرطة البائسين والشباب المتبطل: الفساد والدولة الرخوة والمستهترة. فما الذى يمكن أن يحرك همة رجل البوليس المسكين، أو حتى الضابط الهمام لحماية فتاة أو امرأة يعتدى عليها فى الطريق، فى ظل هذا المناخ العام من الإحباط؟ فئة صغيرة جدا من المصريين لا تشعر بهذا الإحباط: هم الذين تكنس لهم الشوارع كل صباح، وتغلق لهم الطرقات بالساعات إذا سُمع برغبتهم فى المرور منها، وتبنى لهم المساكن وتستورد لهم الأطعمة، ويخطبون ويتزوجون من بنات أو أولاد من نفس هذه الطائفة التى تحتكر الأكل والشرب والشواطئ، تحتكر لأولادها الوظائف والمساكن والأفراح. بل وأصبحت هذه الفئة تحتكر الصحف أيضا، منذ جرت التغييرات الأخيرة فى المناصب الصحفية، إذ لوحظ أن الصحف التى تمتكلها الحكومة لم تنشر شيئا عما حدث فى وسط البلد فى أول أيام العيد إلا بعد أن تناقلت الدنيا كلها الخبر، وأصبح حديث الرائح والغادى، وأذيع فى الإذاعات الأجنبية، فأصبح منظر الصحف الحكومية المصرية بعد أسبوع من الحادث دون أن تنشر عنه شيئا، مثيرا لمختلف الظنون، وأصبح من المحتم على هذه الصحف أن تنشر شيئا عنه. فإذا بنا نقرأ تغطية للموضوع فى الجريدة اليومية الحكومية الأولى كان السكوت أفضل منها، إذ تراوح ما كتب فيها بين الدفاع المستتر عن هذا الشباب الذى خرج لتمضية وقت مرح بمناسبة العيد وبين انتقاد الفتيات لخروجهن من بيوتهن فى هذا الزحام، أو إنكار أن يكون قد حدث أى شيء خطير على الإطلاق، يحدث مثله فى كل عام، وإظهار رجال الأمن بمظهر من أدوا واجبهم بالكامل. قيل لنا مرة، منذ بضعة أسابيع، إن أعضاء هذه الفئة المحظوظة من الشعب المصرى، والتى تقوم منذ زمن طويل بحكمه، وأولادهم الذين يزمعون الحلول محلهم فى الحكم، لا يقرأون على أى حال ما تنشره الصحف المستقلة أو المعارضة، إذ ليس لديهم الوقت الكافى لسماع الشكاوى، حيث إن لديهم مشاغل أهم، تتعلق فى الأساس، بتحضير المصريين لقبول خبر حلول الابن محل الأب فى الحكم، وهم فى رأيى يضيعون وقتهم الثمين فيما لا يجدى كثيرا. فتعديل المادة 76 أو 77 أو إعادة تعديلهما، لم يعد يهم هذا القطاع الواسع من المصريين الذين وصفت حالهم منذ قليل. لعل الفرق إذن، من تعديل هذه المادة أو تلك هو إقناع بعض الدول أو الهيئات الأجنبية بأن حلول الابن محل الأب، تم بطريقة ديمقراطية؟ ربما كان الأمر كذلك، ولكن لعل هذه الدول والهيئات لا يهمها أيضا تعديل هذه المادة أو تلك أو بقاؤهما على ما هما عليه. فهذه الدول والهيئات الدولية لا يهمها فى الواقع إلا قيام هذه الفئة المصرية المحظوظة بالإسراع ببيع هذا البنك أو تلك الشركة للأجانب، وعدم النطق بكلمة واحدة تتعارض مع ما تفعله هذه الدولة أو تلك الهيئة فى العراق أو لبنان أو غيرهما من الدول. فى سبيل شراء هذا البنك أو تلك الشركة إذن، وفى سبيل استمرار هذه الفئة الصغيرة المحظوظة فى احتكار الأكل والشرب والمساكن والشواطئ والأفراح، يجوز تجويع نسبة كبيرة من الشعب المصرى وتشريده على هذا النحو، حتى أصبح من الممكن أن ترى أحيانا رجلا من رجال البوليس يبحث عن بعض بقايا الطعام فى صندوق من صناديق القمامة، وحتى لجأ مئات من الشباب المصرى لحل مشاكلهم النفسية والجنسية إلى الاعتداء بلا هوادة على أى امرأة يجدونها فى الطريق.

نظام الحكم يتخبط والبلد ضاع




الاندفاع إلى حريق قاهرة جديد!
بقلم: عبد الله السناوي

بريماكوف يستغرب نصيحة مبارك لبوتين بتعديل الدستور وتمديد حكمه وصحف غربية وعربية تتساءل: لماذا لم ينصح الرئيس المصرى نظيره الروسى بتوريث الحكم؟!
مراسل أوروبى مقرب من رئيس الوزراء الإيطالى رومانو برودى يتوقع - وفق شهادات أصدقاء مصريين - فوضى على النيل يعقبها تدخل لمؤسسات القوة
لا أحد بوسعه أن يتوقع، وهو واثق من صلابة التوقعات التى يراهن عليها، ما قد يحدث فى مصر غداً، غير أن الأجواء السياسية تنذر بانفلات واسع وفوضى ضاربة واندفاع إلى حريق قاهرة جديد. فالكلمة -الآن- لليأس وجنرالاته فى الشوارع المحرومة. والسياسة تخلى مواقعها للعنف وسيناريوهاته المرعبة، وبوادرها تقتحم المسرح السياسى من مقدمته وفى كواليسه، فالدولة المصرية، وهى من أعرق وأقدم الدول واكثرها مركزية، آخذة فى التفكك والتحلل، ونظام الحكم فيها يتخبط فى نهاياته الطويلة، والفساد نهش مقدراتها كما لم يحدث فى تاريخها الحديث كله، والأحوال المعيشية ماضية فى التراجع ساحبة إلى خطوط ما تحت الفقر قطاعات جديدة من المجتمع، الذى يبدو يائسا ومحروما بصورة تدفع إلى الاعتقاد بأننا بصدد انفجارات عنف اجتماعى غير مسبوقة. قد يقال إن الحياة السياسية المصرية، التى شهدت بعض الحراك السياسى فى السنوات الأخيرة، باتت متوقفة، وغير قادرة على اطلاق مبادرات كبرى لتغيير خرائطها وموازين القوى المتحكمة فيها، وأن الأحزاب ضعيفة، والحركات الاحتجاجية الجديدة ينحسر زخمها، وأن الصحف الحزبية والمستقلة تكرر كلامها وانتقاداتها، والنظام لا يعبأ بهذه الانتقادات ويمضى فى سيناريو التوريث الى نهاياته خطوة بعد أخرى، وأن اليأس قد أخذ طريقه الى النخب السياسية والثقافية، وقد تبدو آثار ذلك كله على رمال السياسة، ولكن يجب أن يقال انها متحركة، وأن التغيير المحتم قد يأتى من خارج كل هذه الدوائر المغلقة، ومن خارج المسرح السياسى كله. وعندما بدا لمراسل أوروبى مقرب من دائرة رئيس الوزراء الإيطالى رومانو برودى، عمل فى القاهرة وبيروت لسنوات طويلة، أن يسأل بعض أصدقائه القدامى من المصريين عن تصوراتهم للمستقبل السياسى فى مصر جاءته الإجابات مقتضبة وصريحة: فوضى يعقبها تدخل لمؤسسات القوة، وتذهب السلطة إلى أصحابها الجدد. سأل مندهشا: هل يمكن أن يحدث ذلك فعلاً؟. وبدت مصر أمامه، وهو يطل على نيلها مغلقة على اسرارها، ومصائرها معلقة على مجهول. وفيما يبدو أن هذا السيناريو الخطر هو الأقرب إلى تداعيات تآكل الدولة المصرية، والظواهر ماثلة لمن يريد أن يقرأ، فلا شيء يدعو إلى الاعتقاد بأننا بصدد إصلاح سياسى ودستورى واسع وجدى يستجيب لمتطلبات نقل السلطة بصورة آمنة وسلمية، أو أن بوسع نظام الحكم الحالى التغلب على المشاكل الاقتصادية المتفاقمة، والتى تسبب فيها بسياسات انتهجها على مدى ربع قرن، أو تلبية الحد الأدنى من مقتضيات الأمن القومى فى حرائق المنطقة المشتعلة من حولنا، والتى تكاد شرارتها تصل إلى داخل حدودنا. وهذه كلها دواعى يأس ينذر بمخاطر مرعبة لا يبدو أن نظام الحكم يدركها او يكترث بها، أو يعمل على تلافى أسبابها، أو يحاول أن يطوق تداعياتها المحتملة، كأنه يدفع بالأحداث إلى حرائقها، وكأن مصر لا تستحق نظاماً أفضل وسياسات أخرى غير تلك التى تدفع بنا الى المجهول المرعب. وفى إحدى زياراته للولايات المتحدة كان من ضمن الذين استقبلوا الرئيس شاب مصرى من أسرة تربطها بالرئيس مبارك علاقات شخصية قديمة. سأله الرئيس: - ماذا تفعل هنا-؟. وكانت إجابته: أعمل فى الأمم المتحدة، ولكنى أتمنى العودة الى مصر. وكان تعليق الرئيس صادماً: هى دى بلد حد يعيش فيها!. ويدرك الذين سمحت لهم الظروف بالاقتراب من الرئيس مبارك أن بعض تعليقاته عفوية، ولكن هذه الواقعة تنطوى على رؤية سلبية لمصر والذين يعيشون فيها! وفيما يبدو أن الرئيس لا يقدر قيمة البلد الذى يحكمه، وهذه مأساة محزنة ربما تفسر بعض ما يجرى الآن، والأخطر أن البلد يزحف فوق حقل من الألغام السياسية والاجتماعية، والرئاسة تغض الطرف عن أخطارها، والأمن يتجاهلها بظن أن الملف السياسى هو المصدرالوحيد لتهديد أمن النظام وأن الأمور سوف تمضى آمنة بارهاب المعارضة وجماعاتها الغاضبة، غير أن التهديد الحقيقى قد يضرب ضربته من خارج المعادلات السياسية كلها. ووقائع فضيحة وسط البلد فى أيام العيد ماثلة بتفاصيلها المفزعة لمن يريد أن يقرأ مستقبل النظام السياسى. والمثير أن تنفى وزارة الداخلية فى تصريح تلو الآخر أن تكون جماعات من الشباب صغير السن قد اعتدت فى أيام العيد بوسط القاهرة على فتيات وسيدات، أخذن يهربن من تجمعات التحرش الجنسى الجماعى، محاولاتٍ الاختباء فى بعض المحلات العامة. ربما تصورت وزارة الداخلية أن الإنكار ينفى الجريمة، أو أن غض الطرف قد يمنع تكرارها مستقبلا، بمنطق: حادثة.. وعدت!. وربما تصورت الداخلية أن الإنكار يمنع المساءلة عن التقصير الأمنى الفادح فى قلب العاصمة، أو التساؤل عن جحافل الأمن المركزى المتمركزة بالآلاف بسياراتها ومعداتها فى شوارع وسط البلد: أين كانت..؟، أو ما إذا كانت أدوارها مقصورة على قمع المظاهرات السلمية المطالبة بالديمقراطية والحريات العامة؟! وهذه تصورات مغرقة فى أوهامها، فالظواهر الاجتماعية المستجدة لا تواجه بالإنكار، والقضية أوسع مدى وأخطر من أن تحصر فى تقصير أمنى، فهى اجتماعية قبل أن تكون أمنية، وهى تكشف أزمة قيم فى مجتمع يعانى من حرمان سياسى واقتصادى واجتماعى، وهى مؤشر على انفجارات اجتماعية أوسع وأخطر قد تحدث مستقبلا وتحرق القاهرة. هناك مجتمعان فى مصر الآن، كل منهما فى عزلة تامة عن الآخر، مجتمع ثراء فاحش، مصدره غير مشروع فى الأغلب، له مدارسه وجامعاته ومنتجعاته وثقافته الخاصة وارتباطاته بالمصالح الأمريكية والغربية فى المنطقة، ومجتمع فقر مدقع أخذ يضربه اليأس من أية احتمالات للترقى الاجتماعى، ولو بالتعليم والتفوق فيه، وبدأت تجرفه انهيارات مستويات المعيشة إلى قاع بلا نهاية. ولا يمكن لنظام رشيد أن يتوقع تعايش المجتمعين، كل فى عوالمه، إلى الأبد، فى لحظة لابد أن يحدث انفجار، وأن تجرف حممه من تصوروا أن بوسعهم أن ينهبوا البلد ويبيعوا ويشتروا فيه دون عقاب أو حساب. عوالم متناقضة مصيرها الى صدام مروع من حيث لا تحتسب أو تتوقع. خذ عندك مشروع منتجع مراسى على شواطئ الساحل الشمالى عند مرسى مطروح، جرى بيع وحداته من القصور والفيلات بأسعار وصلت الى 2 مليون دولار للفيلا الواحدة، بتخفيض ما قيمته مليون جنيه مصرى عند شراء وحدتين!. وفى حفل استقبال جرت وقائعه فى القطامية هايتس، حضرته شخصية نافذة فى نظام الحكم الحالى لا ترد كلمتها، بيعت كل القصور والفيلات فى طابور حجز. والسؤال: ما الذى يدفع وجهاء الطبقة الجديدة الى سباق الحجز لقصور وفيلات قبل توقيع العقد مع الشركة المالكة؟. الإجابة ليست فى تلك الفيللات، وإنما سعيا إلى مجاورة أصحاب المليارات ومئات الملايين وكبار المسئولين المتنفذين فى الدولة، زواج تقليدى للثروة والسلطة، ولكنه فى حالة مراسى تعبير عن رغبة فى الانعزال عن المجتمع الطبيعى، وهو سلوك بالجموح الذى ينطوى عليه يعبر عن عدم شرعية الثروة وعن التوحش فى الاستيلاء عليها، بطرق غير مشروعة تستبيح فى طريقها كل شيء. ولا يصح بأية حال أن نلوم الضحية ونجلدها بسوط الأخلاق التى تنكرت لها، فالسقوط الأخلاقى، وهو مؤكد، دعت ومهدت إليه أخلاق فاجرة لطبقة جديدة نهبت البلد وسيدت الحرمان الاقتصادى والاجتماعى فيه. ثم مضى الحرمان إلى حدود أبعد بتخلى الدولة عن مسئوليتها الاجتماعية، وبيع المقدرات العامة ب تراب الفلوس، كما حدث فى بنك الإسكندرية، أو بطريقة تثير الريب كما حدث فى بيع عمر أفندى، مصحوبا بموجات عالية ومتعاقبة من الفساد المنهجى والمنظم أخذت تنال من سمعة الرؤوس الكبيرة فى النظام الحاكم مع تراجع مستويات الكفاءة وإدراك الحد الأدنى من المسئولية العامة إلى حد تفشى الأوبئة والأمراض القاتلة وانهيار الخدمة الصحية. القضية من هذه الزاوية تتجاوز الأمن وما ينسب إليه من تقصير، وتتعدى الاعتبارات الأخلاقية الاعتيادية، التى دأبت على اعتبار الزى الاسلامى طريقا لتجنب المضايقات الجنسية، فقد جرى اعتداء فى هذه المظاهرات على فتيات وسيدات محجبات ومنقبات. والأصح أن يقال ان الانفلات الاخلاقى تعبير فاجع عن أزمة قيم لمجتمع يعانى من الحرمان الاقتصادى والاجتماعى. والأصح ايضا أن يقال ان اليأس من الاصلاح تداعياته تهدد المجتمع كله بالانجراف الى العنف والفوضى. هناك باليقين انسداد سياسى واجتماعى، وهناك أمل أخذ يتبدد فى أن يؤدى الحراك السياسى الى اصلاح سياسى ودستورى وانتقال آمن وسلمى للسلطة، لا أحد يصدق ذلك الآن. وقد بدت نصيحة الرئيس مبارك للرئيس الروسى فلاديمير بوتين بأن يعدل الدستور الروسى ليجدد لنفسه بغير نهاية أو سقف زمنى لتولى السلطة؛ مثيرة بدلالاتها، فالمعنى ان الرئيس مبارك لن يعدل هو عملا بذات النصيحة المادة 77 من الدستور الحالى التى لا تشترط سقفاً زمنيا لتولى السلطة، رئاسة الجمهورية نفت فى تصريح رسمى أن يكون الرئيس مبارك قد ادلى بمثل هذه النصيحة لصحيفة روسية، وعندما سئل يفجينى بريماكوف رئيس الوزراء الروسى الأسبق أثناء زيارته للقاهرة ليلة سفر مبارك الى العاصمة الروسية عن تعليقه على تصريحات الرئيس المصرى ابتسم بدبلوماسية انطوت على قدر من الاستغراب وقال: لن يحدث هذا فى روسيا، والرئيس بوتين يحترم الدستور، ولا أظن أن مصر تريد التدخل فى الشئون الداخلية فى روسيا. وإذا كان الرئيس مصرا على النفى، فهناك اختبار جدى حتى نصدق فعلا ان الرئيس لم يدل بمثل هذه النصيحة الغريبة، التى أثارت موجات من التعجب والاستنكار فى الصحافة الغربية والعربية تساءلت: لماذا لم ينصح مبارك بوتين بتوريث الحكم فى روسيا، وهو ان يطلب مبارك تعديل المادة 77 من الدستور، فهو من الناحية العملية ليست له مصلحة مباشرة فى الابقاء عليها، فالرئيس أطال الله فى عمره لا يتصور ان يحكم مصر حتى سن الخامسة والتسعين وما بعدها، إذ يمكنه مع التعديل ووضع سقف زمنى لدورتين فقط ان يحكم لنهاية الدورة الحالية ولدورتين أخريين، بما مجموعه 16 عاماً اضافياً، وهو ما يتجاوز الطاقة البشرية والقدرة على الوفاء بمتطلبات الحكم. واذا كان هناك من يحرض على عدم التعديل حتى لا ينتقص ذلك من فرص الوريث المنتظر فى البقاء على سدة الحكم 25 سنة أخرى كوالده، فإن القضية هنا تختلف، فالنجل لاينتسب كأبيه الى القوات المسلحة، صاحبة الدور الوافر فى التاريخ المصرى الحديث، وهى سند الشرعية فى حكم مصر على مدى تاريخها الحديث، وبخاصة بعد ثورة 23 يوليو 1952، وهو يناهض عمليا أن يكون رئيسا منتخباً بآليات ديمقراطية حقيقية تكفل له شرعية أو تضمن له قبولا عاماً، وبالتالى فإن صعود النجل للسلطة فى وجود والده أو بعده سوف يجعل منه رئيسا ضعيفاً، ليس بوسعه أن يعطى تعليمات لمؤسسات القوة، وليس بمقدوره أن يتعاطى مع حقائق السياسة الداخلية، فمصر لا تتلخص فى القطامية هايتس أو منتجع مراسى، أو فى لجنة سياساته ورجال الأعمال المحيطين به، والتعقيدات المصرية سوف تدفع به سريعا خارج الحلبة أو داخلها محاطاً بمخاوف وسيناريوهات الانفجارات الاجتماعية والسياسية، وهو مصير قاس لشاب استبدت به طموحاته السياسية ويدفع به أصحاب المصالح الى الجحيم، والتعبير للرئيس مبارك نفسه الذى يدرك بخلفيته العسكرية والأمنية وخبرته الطويلة فى الحكم، ان التوريث لن يكون رحلة خلوية مضمونة العواقب، غير أن الرئيس مبارك يدفع رغم ادراكه للمخاطر بقطار التوريث لمحطة جديدة بطلبه تعديل المادة 76 من الدستور مرة أخرى. يمكن أن نقول ان طلب مبارك اعتراف صريح ومباشر من رئاسة الدولة بصحة الانتقادات التى وجهتها جماعات المعارضة ووجهها فقهاء قانونيون، فالمادة المعدلة أقرب الى لائحة ركيكة لإحدى الشركات، وتفتقر الى قواعد الصياغات الدستورية المحكمة، وتنزع صياغاتها عن الدستور الحالى بعضاً من انجازاته فى الحريات العامة وضماناتها مثل تحصين قرارات اللجنة المشرفة على الانتخابات الرئاسية، وهى لجنة إدارية بحكم تكوينها، من الطعن عليها أمام القضاء، وتفرض شروطاً تعجيزية فى الترشح أمام المستقلين، غير أن ما هو معلن يدعو للاعتقاد بأن الرئيس لم يتراجع، وليست فى نيته اعادة صياغة هذه المادة بصورة توفر اجماعاً وطنيا حولها، وما هو مطلوب بالضبط ادخال بعض التعديلات عليها بما يسمح بتوفير مرشحين يلعبون دور الكومبارس فى الانتخابات الرئاسية المقبلة، أو جعل حق الترشح عملياً مقصوراً على الأحزاب الرسمية وحدها، على النحو الذى جرت به وقائع الانتخابات الرئاسية الأولى. وهكذا ننتقل من انتخابات استعراض الرجل الواحد الى انتخابات مسرحية الممثل الواحد وهذا مما يصعب تمريره، ولا يضفى أية شرعية على الوريث المنتظر، نعم: قطار التوريث يمضى من محطة الى أخرى، ولكن.. على قضبان متآكلة يصعب تصور أن تحمله الى محطته الأخيرة. والمشكلة الكبرى فى كل ما يصدر عن الرئيس فى التعديلات الدستورية ان الرأى العام ينظر إليها بسلبية باعتبارها خطوات جديدة فى سيناريو توريث يفتقر الى قبول الرأى العام وتياراته الرئيسية، مما يدفعنا للتساؤل: كيف يمكن لنجل الرئيس ان يحكم مصر مستقبلا؟. ومع مخاوف واسعة من أن تشمل التعديلات الدستورية المنتظرة الغاء الاشراف القضائى على الانتخابات العامة المنصوص عليها فى المادة 88 من الدستور الحالى، والإبقاء على جوهر المادة 74 التى تضفى على صلاحيات رئيس الجمهورية ما يقارب ما للآلهة من سلطات!، والاتجاه لتقليص أو نسف الحقوق الاجتماعية المنصوص عليها فى الدستور، يبدو اليأس مستحكماً، والانسداد فى القنوات السياسية والاجتماعية محكماً، وهذا مؤشر خطر فى سيناريو الانفلات والفوضى والاندفاع الى حريق قاهرة جديد. حفظ الله مصر من كل سوء، غير أن الأمنيات وحدها لا تحمى أوطاناً، فشرر النار يتطاير من حولنا.
 
free web counter